سوق كيهيدي المركزي.. من المسؤول عن زهْد إيجارات البلدية وتضخّم أرباح المستأجرين؟

أخبار كوركول (كيهيدي) – قلب كيهيدي، عاصمة ولاية كوركول، يضم السوق المركزي المملوك للبلدية عشرات الدكاكين، ويشكّل مركزًا تجاريًا حيويًا، غير أن ما يدرّه على خزينتها يبقى بعيدًا عن القيمة الإيجارية لمحلاته.

فالدكان الذي يحتل موقعًا ممتازًا لا يتجاوز إيجاره لدى البلدية ستة آلاف أوقية قديمة شهريًا، وينخفض المبلغ إلى ثلاثة آلاف لبعض الدكاكين الواقعة داخل السوق، بينما يعيد مستأجرون تأجير بعض هذه المحلات بأكثر من مائة ألف أوقية قديمة للدكان الواحد شهريًا.

وهي فجوة تطرح سؤالًا مباشرًا عن أسباب استمرار هذه الأسعار منذ عشرات السنين، والمسؤولية عن إبقاء نصيب البلدية محدودًا من مورد عمومي تتضاعف عائداته في أيدي المستأجرين.

وتبرز المفارقة في أن كثيرًا من المستأجرين لدى البلدية لا يستغلون الدكاكين بأنفسهم، وإنما يعيدون تأجيرها لتجار آخرين، محققين من فارق الإيجار عائدًا يفوق بعشرات المرات المبلغ الذي يدفعونه للجهة المالكة.

وبذلك أصبح الانتفاع بعقود التأجير مصدر دخل لأفراد، فيما لا تحصل البلدية إلا على مبالغ زهيدة من محلات تملكها، وتتحمل مسؤولية تدبيرها بما يخدم المصلحة العامة.

ويكتسب هذا الاختلال دلالة أكبر في ظل شح الموارد الذي تعاني منه البلدية، ويصل أحيانًا إلى تأخر صرف مستحقات عمالها.

ففي الوقت الذي تضيق فيه قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتمويل الخدمات، تظل إيجارات السوق بعيدة عن الأسعار التي يدفعها المستغلون الفعليون، بما يثير تساؤلات عن حجم الإيرادات التي كان يمكن تحصيلها لو خضعت العقود لمراجعة منتظمة تراعي قيمة المحلات ومواقعها.

ومع وجود عشرات الدكاكين، فإن اتساع الفارق بين الإيجارات البلدية وأسعار إعادة التأجير يطرح احتمال تفويت عائدات بملايين الأوقية القديمة.

غير أن تحديد حجمها بدقة يقتضي حصر المحلات، ومراجعة العقود، ومعرفة المبالغ المحصلة فعلًا، ورصد حالات إعادة التأجير والأسعار المعمول بها.

وتزداد الحاجة إلى الشفافية مع المعطيات المتعلقة باستفادة بعض المستشارين البلديين من عقود استئجار دكاكين داخل السوق. وهي استفادة تستوجب توضيح شروطها وتواريخها، ومدى خضوعها للضوابط المطبقة على بقية المستأجرين، وكيفية ضمان ألا تؤثر المصالح المرتبطة بهذه العقود في قرارات مراجعتها.

فالمجلس البلدي معني بحماية موارد البلدية، وأي مصلحة لأحد أعضائه في العقود المطروحة للمراجعة تستدعي الإفصاح عنها وضمان نزاهة القرار بشأنها.

كيف بقيت هذه الإيجارات سارية عشرات السنين؟

وهل جرى تجديد العقود بالأسعار نفسها، أم استمر العمل بها دون مراجعة؟

وعلى أي أساس حُددت قيمة إيجار الدكان، وكيف روعي موقعه ومساحته وطبيعة النشاط التجاري فيه؟

ثم هل تسمح الاتفاقيات بإعادة التأجير، وبأي شروط، وما نصيب البلدية من الزيادة الكبيرة في قيمة الانتفاع بممتلكاتها؟

وتقود هذه الأسئلة إلى مسؤولية المجالس البلدية المتعاقبة عن متابعة العقود وتثمين ممتلكات البلدية.

فاستمرار وضع قديم لا يعفي من مراجعته، كما أن انتظام المستأجر في دفع مبلغ محدود لا يحسم مسألة ملاءمة ذلك المبلغ للقيمة الفعلية للمحل.

والمطلوب هنا توضيح ما اتُّخذ من إجراءات، وما حال دون تصحيح الفجوة، والجهة التي يقع عليها اتخاذ القرار.

وتفتح تجارب تسيير الأسواق البلدية، ومنها أسواق السبخة وروصو، مجالًا للنظر في كيفية تحويل هذه المرافق إلى موارد منتظمة تدعم ميزانيات البلديات.

أما في كيهيدي، فيبقى السؤال عن قدرة البلدية على الاستفادة من سوق يحتل موقعًا مركزيًا في النشاط التجاري لعاصمة الولاية، بدل استمرار ترتيبات تستأثر بموجبها فئة من المستأجرين بمعظم قيمته الإيجارية.

وتبدأ معالجة هذا الوضع بجرد شامل للدكاكين، وتحديد المستأجرين الأصليين والمستغلين الفعليين، ونشر معايير واضحة لتحديد الإيجارات، ثم مراجعة الاتفاقيات وفق الإجراءات القانونية والحقوق التعاقدية القائمة.

كما تقتضي ضبط إعادة التأجير، حتى لا يتحول الحصول على دكان بلدي إلى وسيلة لتحقيق ربح دائم من فارق الأسعار، دون عائد منصف للبلدية.

ويبقى على بلدية كيهيدي أن توضح أسباب استمرار هذه العقود بشروطها الحالية، وما إذا كانت تعتزم مراجعتها، ومتى.

فالسوق ملك عمومي، وحسن استغلاله مسؤولية في صميم التسيير البلدي، ولا يستقيم أن تظل موارده محدودة في خزينة البلدية، بينما تكشف أسعار إعادة تأجير دكاكينه عن قيمة أعلى بكثير تذهب عائداتها إلى غيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى