خروج وزيري السيادة.. هل يُهَيَّأ ولد لحويرثي لمهمة أكبر، وهل أُبعِد حننه عن معادلة الخلافة؟

أخبار كوركول/ المفاجأة في الحكومة الموريتانية الجديدة ليست في دخول وزراء جدد، بل في خروج وزيرَي الداخلية والدفاع معا.

فقد غادر محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد لحويرثي  وزارة الداخلية بعد أن كان مديرا لديوان الرئيس، ثم وزيرا للداخلية منذ 2022، كما غادر حننه ولد سيدي وزارة الدفاع بعد سبع سنوات قضاها في المنصب.

يصعب التعامل مع هذا التغيير باعتباره تغييرا عاديا.. فالداخلية تمسك بالإدارة والولاة والانتخابات والفاعلين المحليين، والدفاع يرتبط بالمؤسسة العسكرية وبأحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ البلاد.

كما أن خروج الوزيرين جاء قبل أيام من انطلاق جلسات الحوار الوطني، وبعد تحركات سياسية واسعة لحزب الإنصاف في الولايات.

الرواية الرسمية تتحدث عن حكومة جديدة لتنفيذ البرنامج الرئاسي وتحسين التشغيل والتنمية..  لكن السياسة لا تقرأ بالبيانات وحدها، بل بالتوقيت وبمواقع الأشخاص الذين يغادرون.. وعندما يخرج رجلان من أكثر دوائر النفوذ حساسية في اللحظة التي تستعد فيها البلاد لنقاش سياسي واسع، فإن السؤال لا يعود:

لماذا غادرا؟

بل:

لأي مرحلة يجري إعداد الدولة؟

الحوار المرتقب لا يأتي لمعالجة أزمة سياسية معلنة.. فلا البرلمان معطل، ولا الحكومة مهددة، ولا توجد مواجهة مفتوحة بين السلطة والمعارضة..  ولذلك يبدو أن وظيفته تتجاوز المصالحة السياسية إلى إعادة ترتيب قواعد المرحلة المقبلة..

فالملفات المعلنة، مثل النظام الانتخابي والحكامة والوحدة الوطنية، يمكن أن تفتح الطريق أمام نقاش أوسع يتعلق بشكل النظام، وتوزيع الصلاحيات، وطريقة إدارة الانتقال السياسي بعد نهاية الولاية الحالية..

ويتزامن ذلك مع جولات حزب الإنصاف في الولايات، حيث ارتفعت مطالب بتعديل الدستور لتمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من الترشح لمأمورية ثالثة.

كما كلف المكتب السياسي للحزب لجنة بدراسة ما وصفه بمطلب القواعد.

الرئيس قال إن الحديث عن مأمورية ثالثة سابق لأوانه ويهدف إلى التشويش، مؤكدا أنه لا يؤيد ما يخالف الدستور.

لكن تحركات الحزب جعلت المسألة جزءا من النقاش السياسي العام، وأوجدت فاصلا بين الخطاب الرسمي والمبادرات الصادرة عن بعض مكونات الأغلبية.

الدستور ينص على أن الرئيس لا يعاد انتخابه إلا مرة واحدة، كما يمنع أي مراجعة تمس مبدأ التناوب الديمقراطي أو قاعدة الولايتين.

 لذلك فإن المأمورية الثالثة لا يمكن أن تمر كتعديل دستوري عادي، بل تحتاج إلى مسار سياسي ودستوري بالغ التعقيد.

في يوليو 2026، أجاز البرلمان مشروع قانون تقدمت به الحكومة لتعديل النظام الأساسي لضباط الجيش الوطني، وشدد فيه واجب التحفظ، ومنع العسكريين أثناء الخدمة وبعدها من ممارسة أنشطة سياسية محددة، بينها المشاركة في النقاشات السياسية، وتوقيع العرائض، وتوزيع المنشورات، وجمع الأموال لأغراض حزبية.

وتقول الحكومة إن القانون يعزز حياد المؤسسة العسكرية وانضباطها، بينما يرى منتقدوه أنه يضع قيودا سياسية على العسكريين المتقاعدين، ويحد من ممارستهم السياسية..

 وفي هذا السياق، يكتسب خروج حننه ولد سيدي من وزارة الدفاع دلالة سياسية خاصة.. فهو يغادر موقعا ظل يشغله سبع سنوات، في أعقاب إقرار قانون يضيّق المجال السياسي أمام العسكريين والمتقاعدين، وفي وقت كان اسمه يتردد ضمن الشخصيات المرشحة لخلافة الرئيس.

لذلك يمكن قراءة إخراجه من الحكومة باعتباره تقليصا لحضوره في مركز القرار، وضبطا مبكرا لدوره المحتمل في معادلة الخلافة، تمهيدا لفتح المجال أمام شخصية مدنية أقرب إلى الرئيس وأكثر انسجاما مع الترتيب السياسي المقبل.

أما ولد لحويرثي، فهو حالة مختلفة.. فهو رجل دولة مدني، قريب جدا من الرئيس، وخبير بالإدارة والأمن والانتخابات، وسبق أن كان في قلب مؤسسة الرئاسة..

لذلك فإن خروجه من الداخلية لا يبدو خروجا من المشهد، بل انتقالا محتملا إلى موقع أكبر.

لقد تحدث البعض عن تعيينه رئيسا لحزب الإنصاف، الذراع السياسية للرئيس غزواني، لكن هذا الاحتمال لا يبدو واردا الآن.

فالحزب يقف على أبواب الحوار الوطني، وتغيير قيادته في هذه اللحظة سيمنحه حمولة سياسية مباشرة، وقد يحول الحوار من ساحة توافق إلى أداة لإعادة بناء الأغلبية.

القراءة الأكثر تماسكا أن ولد لحويرثي قد يكون مهيأ لمهمة تتجاوز رئاسة الحزب..

فإذا كان مخرجات الحوار ستتجه إلى إعادة توزيع الصلاحيات بين الرئاسة والبرلمان والحكومة، فإن الشخصية التي تجمع بين الثقة الرئاسية والخبرة الإدارية والقدرة على إدارة التوازنات ستكون مطلوبة في موقع برلماني مركزي.

هنا يبرز السيناريو الذي يمنح مجمل هذه التطورات معنى سياسيا متماسكا:

أن يخرج الحوار الوطني بتوافق على تنظيم انتخابات برلمانية مبكرة، ضمن حزمة إصلاحات أوسع تنقل البلاد من نظام رئاسي ذي مركز ثقل تنفيذي إلى نظام برلماني أو شبه برلماني.

وفي حال أقرّ الحوار هذه الصيغة، فإن الدفع بمحمد أحمد ولد محمد الأمين إلى الواجهة سيغدو جزءا من نقل مركز القرار من الجهاز التنفيذي إلى المؤسسة التشريعية..

إذ يمكن ترشيحه نائبا في الانتخابات البرلمانية المبكرة، ثم الدفع به إلى رئاسة الجمعية الوطنية، باعتباره الشخصية المدنية الأكثر  قربا من الرئيس، وذات خبرة بالإدارة والأمن والانتخابات، وقادرة على إدارة التوازنات داخل الأغلبية.

وفي النظام البرلماني، تكون رئاسة البرلمان مركزا أساسيا لصناعة الأغلبية وتحديد اتجاه الحكومة.. فالبرلمان يصبح مصدر الشرعية السياسية للحكومة، ورئيسه طرفا محوريا في التفاوض على تشكيلها وتسمية رئيسها، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية ووفق الصيغة الدستورية الجديدة.

وفي هذه الحالة، تكون صلاحيات رئيس الجمهورية مقيدة بنصوص دستورية صارمة، بينما تتركز السلطة التنفيذية الفعلية لدى رئيس الحكومة والوزراء المنبثقين عن الأغلبية البرلمانية..

وبذلك لا يعود السؤال الأهم هو:

من سيخلف الرئيس غزواني؟

إذ إن موقع الرئيس نفسه لن يحتفظ بالنفوذ التنفيذي الذي يتمتع به في النظام الرئاسي، بل يصبح السؤال:

من يملك الأغلبية البرلمانية، ومن يقود الحكومة، ومن يدير مركز القرار داخل البرلمان؟

وبهذا المعنى، لا يكون إخراج ولد لحويرثي من الداخلية إبعاده عن السلطة، بل إخراجه من موقع تنفيذي إلى موقع سياسي قد يكون أكثر تأثيرا في المرحلة المقبلة..

فالوزير يدير قطاعا، أما رئيس البرلمان في النظام البرلماني فيشارك في صياغة القواعد التي تحكم الدولة وتحديد الأغلبية التي تقوم عليها الحكومة.

لذلك فإن خروج وزيرَي الداخلية والدفاع لا يبدو حدثا نشازا في سياق المشهد..

فالقانون الذي يقيد النشاط السياسي للعسكريين، وجولات حزب الإنصاف، وتصاعد الحديث عن المأمورية الثالثة، والدعوة إلى حوار بلا أزمة معلنة..كلها تتحرك في اتجاه واحد:

إعادة ترتيب مراكز النفوذ استعدادا لمرحلة سياسية جديدة..

السؤال الحقيقي إذن ليس فقط:

من سيخلف الرئيس غزواني؟

بل:

هل ستقود مخرجات الحوار إلى انتخابات برلمانية مبكرة ونظام برلماني جديد، يكون ولد لحويرثي أحد أبرز رجاله؟

#البو ولد أحمد سالم 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى