زيارة منسق الإنصاف إلى كوركول.. صناديق الاقتراع تكشف الفجوة بين نفوذ الحزب وولاء الناخبين..

أخبار كوركول / تضع زيارة منسق حزب الإنصاف على مستوى ولاية كوركول، السيد سيدي ولد مولاي الزين المرتقبة وسط الأسبوع المقبل ، الحزب أمام خريطة انتخابية لا تكفي لقراءتها أعداد العمد والنواب ولا حجم الاستقبالات، بقدر ما تحتاج إلى مقارنة ما حققه الإنصاف في الانتخابات البلدية والنيابية لسنة 2023 بما أظهرته صناديق رئاسيات 2024، وقياس قدرة الحزب ومنتخبيه على تحويل المكاسب المحلية إلى أصوات للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

ففي رئاسيات 2024، تصدر الرئيس غزواني ولاية كوركول بـ38 ألفا و56 صوتا، بنسبة 48.17%، من أصل 79 ألفا و8 أصوات صوتت في الانتخابات، مقابل 40 ألفا و952 صوتا لمنافسيه مجتمعين، بنسبة 51.83%، فيما حل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ23 ألفا و667 صوتا، بنسبة 29.96%.

ولا تمثل الأصوات التي حصل عليها الرئيس غزواني رصيد حزب الإنصاف وحده؛ فهي حصيلة تصويت أنصار الرئيس ومختلف قوى وأحزاب الأغلبية الداعمة له.

ومن هنا تصبح النتيجة أكثر أهمية عند تقييم الإنصاف تحديدا:

فإذا كان الرئيس، مدعوما بالحزب وبقية مكونات أغلبيته، حصل على 48.17%، فما الحجم الذي عبأه الإنصاف فعليا من هذا الرصيد، وإلى أي مدى احتفظ الحزب بالكتل التي صوتت لعمده ونوابه سنة 2023؟

فحزب الإنصاف خرج من انتخابات 2023 متصدرا المشهد المحلي في كوركول، ممسكا بـ17 بلدية من أصل 32 بلدية، وبـ7 نواب من أصل 11 نائبا يمثلون مقاطعات الولاية الخمس، بينما ذهبت معظم المقاعد والبلديات الأخرى إلى أحزاب تنتمي بدورها إلى الأغلبية الرئاسية.

ولهذه الظاهرة خصوصية سياسية في كوركول؛ إذ إن الترشح من حزب آخر في الأغلبية يكون، في حالات عديدة، رد فعل على عدم الحصول على ترشيح حزب الإنصاف، فينتقل الفاعل السياسي إلى حزب من الأغلبية ويخوض الانتخابات من خلاله دون أن يتحول بالضرورة إلى معارض للنظام.

وبعبارة أدق، يكون الخلاف في كثير من هذه الحالات مع حزب الإنصاف أو خياراته في الترشيح، وليس مع الرئيس أو النظام السياسي.

غير أن هذه القاعدة لا تنطبق على عدد من عمد حزب الكرامة والتحالف الوطني الديمقراطي في مقاطعة أمبود، ممن أكدوا خلال استحقاقين انتخابيين أو أكثر استقرار ولائهم لأحزابهم، بما يجعل حضور هذه الأحزاب هناك جزءا أصيلا من موازين القوى المحلية، وليس مجرد انتقال ظرفي بسبب خيارات الترشيح داخل الإنصاف.

وعند تفكيك نتائج الرئاسيات مقاطعة بمقاطعة، تظهر الفوارق بصورة أوضح.

ففي مقاطعة كيهيدي، وهي أكبر مقاطعات الولاية من حيث عدد الأصوات في رئاسيات 2024، حصل الرئيس غزواني على 10 آلاف و14 صوتا من أصل 24 ألفا و295 صوتا صوتت في الانتخابات، بنسبة 41.22%، مقابل 14 ألفا و281 صوتا لمنافسيه مجتمعين، وحل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ8683 صوتا، بنسبة 35.74%.

وتضم المقاطعة خمس بلديات هي:

كيهيدي، نيرى والو، جول، تكومادي، وتيفوند سيفه.

وتحسب كيهيدي وجول وتكومادي على حزب الإنصاف، ونيرى والو على حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم، وتيفوند سيفه على الحزب الجمهوري للديمقراطية والتجديد.

والمفارقة الأبرز أن بلدية كيهيدي، المحسوبة على الإنصاف، لم يتصدرها الرئيس غزواني، إذ تقدم فيها بيرام الداه اعبيد.

وهي نتيجة تضع مباشرة مسألة انتقال أصوات الحزب بين الاستحقاقين موضع السؤال: كيف يستطيع الإنصاف الفوز ببلدية بحجم عاصمة الولاية، ثم لا يتصدر الرئيس غزواني فيها بعد عام؟

وفي مقاطعة مونكل سجل الرئيس غزواني أعلى نسبة له بين مقاطعات كوركول الخمس، بحصوله على 5313 صوتا من أصل 9818 صوتا صوتت في الانتخابات، بنسبة 54.11%، مقابل 4505 أصوات لمنافسيه مجتمعين، وحل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ3169 صوتا، بنسبة 32.28%.

وتضم مونكل بلديات مونكل، ميت، بكل، ملزم تيشط، وآزكيلم. وتحسب ميت وملزم تيشط على الإنصاف، ومونكل وبكل على الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم، وآزكيلم على التحالف الوطني الديمقراطي.

وتكتسب نتيجة مونكل أهمية خاصة ، فالإنصاف لم يفز سوى ببلديتين من بلديات المقاطعة الخمس في 2023، لكنه يملك نائبي المقاطعة، ومع ذلك سجل الرئيس غزواني فيها أعلى نسبة له على مستوى مقاطعات الولاية.

وهو ما يؤكد أن التصويت للرئيس لا يمكن نسبته آليا إلى الإنصاف، وأن أحزاب الأغلبية والفاعلين المحليين خارج الحزب أسهموا بدورهم في النتيجة.

 

وفي مقاطعة أمبود، حصل الرئيس غزواني على 10 آلاف و866 صوتا من أصل 20 ألفا و277 صوتا صوتت في الانتخابات، بنسبة 53.59%، مقابل 9411 صوتا لمنافسيه مجتمعين، وحل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ7240 صوتا، بنسبة 35.71%.

وتمثل أمبود أكبر خزان للرئيس غزواني من حيث عدد الأصوات بين مقاطعات كوركول، فيما تأتي ثانية بعد مونكل من حيث النسبة.

وتضم المقاطعة تسع بلديات هي:

أمبود، تكوبرة، تارنكة، أنجاجبني، دباي أهل كلاي، فم لكليتة، شلخت التياب، لحرش، وسوفة.

وتحسب أنجاجبني ودباي أهل كلاي وفم لكليتة على الإنصاف، فيما تتوزع البلديات الأخرى بين حزبي الكرامة والتحالف الوطني الديمقراطي.

وهنا تظهر مفارقة مهمة، ففي دباي أهل كلاي، وهي بلدية محسوبة على الإنصاف، لم يتصدر الرئيس غزواني، بل تقدم عليه بيرام الداه اعبيد بـ877 صوتا مقابل 862 صوتا للرئيس، بفارق 15 صوتا فقط.

وفي المقابل، سجل الرئيس غزواني في بلدية سوفة، المحسوبة على حزب الكرامة، 69.39% بـ866 صوتا.

وهذه المقارنة تكشف صعوبة مساواة خريطة البلديات بخريطة التصويت الرئاسي؛ فبلدية لا يديرها الإنصاف تمنح الرئيس نسبة مرتفعة، بينما بلدية يديرها الحزب تمنح المركز الأول لمنافسه.

وفي مقاطعة مقامة، حصل الرئيس غزواني على 6572 صوتا من أصل 14 ألفا و535 صوتا صوتت في الانتخابات، بنسبة 45.21%، مقابل 7963 صوتا لمنافسيه مجتمعين، وحل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ2661 صوتا، بنسبة 18.31%.

وتضم المقاطعة بلديات مقامة، دولل، ضو، بيلكت ليتام، فرع ليتام، توليل، صنيه، ووالي.

وتحسب البلديات السبع الأولى على حزب الإنصاف، بينما تحسب والي على الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها ، فالإنصاف يسيطر على سبع بلديات من أصل ثمان، ويمثل المقاطعة نائبان عن الحزب، ومع ذلك لم يحصل الرئيس غزواني سوى على 45.21%، بينما حصل منافسوه مجتمعين على أصوات أكثر منه.

بل إن توليل، المحسوبة على الإنصاف، شهدت حلول الرئيس غزواني ثالثا بـ388 صوتا بنسبة 23.05%، خلف مامادو با الذي تصدر بـ516 صوتا، وبيرام الداه اعبيد بـ395 صوتا.

وفي المقاطعة نفسها توجد الصورة المقابلة، إذ سجل الرئيس غزواني في بيلكت ليتام 76.01% بـ789 صوتا، وهي أعلى نسبة حصل عليها في بلدية على مستوى ولاية كوركول.

ويكشف التباين بين توليل وبيلكت ليتام، رغم أن البلديتين محسوبتان على الإنصاف، أن امتلاك الحزب للمجلس البلدي لا يكشف وحده حجم القاعدة الحزبية الفعلية.

أما مقاطعة لكصيبة، فقد حصل فيها الرئيس غزواني على 5291 صوتا من أصل 10 آلاف و83 صوتا صوتت في الانتخابات، بنسبة 52.47%، مقابل 4792 صوتا لمنافسيه مجتمعين، وحل بيرام الداه اعبيد ثانيا بـ1914 صوتا، بنسبة 18.98%.

وتضم المقاطعة بلديات لكصيبة، كنكي، الطلحاية، وبتنكل؛ وتحسب لكصيبة وكنكي على الإنصاف، والطلحاية على الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم، وبتنكل على حزب تواصل.

وبذلك تتصدر مونكل مقاطعات كوركول من حيث نسبة التصويت للرئيس غزواني بـ54.11%، تليها أمبود بـ53.59%، ثم لكصيبة بـ52.47%، فمقامة بـ45.21%، وأخيرا كيهيدي بـ41.22%.

أما من حيث العدد، فتتصدر أمبود بـ10 آلاف و866 صوتا، ثم كيهيدي بـ10 آلاف و14 صوتا، فمقامة بـ6572، ومونكل بـ5313، ولكصيبة بـ5291.

وعلى مستوى البلديات، سجل الرئيس غزواني أعلى نسبة في بيلكت ليتام بمقاطعة مقامة بـ76.01%، فيما جاءت أكبر حصيلة عددية له من بلدية كيهيدي، رغم أن الرئيس لم يتصدرها.

وهذه من أكثر مفارقات النتائج دلالة، فأكبر خزان بلدي للرئيس يوجد في بلدية خسرها لصالح منافسه، بينما أعلى نسبة له جاءت من بلدية أقل حجما.

ولا يمكن في المقابل، فصل جميع نتائج رئاسيات 2024 في كوركول عن أثر الانتماء العرقي في السلوك الانتخابي ببعض المناطق ومكاتب التصويت.

فقد تداخل هذا العامل في بعض النتائج مع الولاء السياسي والحزبي والشخصي، وهو ما يجعل تفسير التصويت باعتباره ولاء حزبيا صرفا قراءة ناقصة.

غير أن أثر العامل العرقي لم يكن واحدا في مختلف مناطق الولاية، ولا يكفي بمفرده لتفسير الخريطة، التي تداخلت في تشكيلها الانتماءات الحزبية والأحلاف المحلية والروابط الاجتماعية ووزن الفاعلين السياسيين.

وتظهر الصورة العامة أن كيهيدي ومقامة هما المقاطعتان اللتان تجاوز فيهما مجموع أصوات منافسي الرئيس غزواني رصيده، رغم قوة حضور الإنصاف فيهما ، فالإنصاف يملك ثلاث بلديات في كيهيدي وسبعا من أصل ثمان في مقامة، إضافة إلى حضوره النيابي.

وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه رئاسيات 2024 على الحزب أكثر تحديدا:

أين ذهبت أصوات الناخبين الذين منحوا الإنصاف عمده ونوابه في 2023 عندما أصبح المطلوب التصويت للرئيس غزواني؟

فالناخب الذي يمنح مرشح الإنصاف صوته في البلدية أو النيابيات ثم يصوت بعد عام لمرشح رئاسي آخر يقدم مؤشرا إلى أن ارتباطه قد يكون بالمرشح المحلي أو الحلف أو الاعتبارات الاجتماعية أكثر منه بالحزب.

وكلما اتسع الفارق بين الاستحقاقين، برزت هشاشة الانتماء الحزبي أمام قوة الأشخاص والأحلاف المحلية.

كما تطرح المقارنة سؤالا مشروعا حول قدرة بعض المنتخبين على تعبئة قواعدهم للرئيس بالمستوى نفسه الذي عبأوها به عندما كانت مقاعدهم الشخصية محل المنافسة.

ولا تسمح الأرقام بالحكم على النيات أو مقدار الجهد، لكنها تسمح بقياس النتيجة الانتخابية ومقارنتها بما حققه الفاعلون لأنفسهم قبل عام.

ومن المهم هنا الفصل بين قوة الإنصاف وقوة الأغلبية ، فوجود مرشحين فازوا في 2023 تحت مظلة أحزاب أخرى داعمة للرئيس لا يعني بالضرورة خصومتهم معه، إذ كانت بعض تلك الترشيحات نتيجة خلاف على خيارات الإنصاف، بما يجعل جزءا من المشهد المحلي تنافسا داخل الأغلبية واعتراضا على الحزب أكثر منه معارضة للنظام.

وهذه الحقيقة تجعل اختبار الإنصاف أكثر دقة؛ لأن أصوات الرئيس غزواني في رئاسيات 2024 جاءت من مجمل القوى الداعمة له، وليست رصيدا انتخابيا خالصا للحزب.

وبالتالي لا يستطيع الإنصاف قياس قوته بمجرد نسبة الرئيس، بل بمقدار مساهمته الفعلية فيها مقارنة بما يملكه من عمد ونواب وأطر.

ومن هنا تكتسب زيارة سيدي ولد مولاي الزين أهميتها. فالتحدي ليس تعداد من يعلنون الانتماء إلى الحزب، وإنما معرفة من يمتلك قاعدة انتخابية فعلية باسم الإنصاف، ومن يمتلك قاعدة شخصية تستفيد من لافتة الحزب عند الترشح.

فنتائج 2023 أثبتت قدرة الإنصاف على الفوز بالمقاعد، بينما كشفت رئاسيات 2024 أن الفوز بالمقعد لا يعني بالضرورة امتلاك الناخب الذي صنعه. وأن يصوت الناخب للعمدة أو النائب باسم الإنصاف، ثم لا يصوت للرئيس غزواني بعد عام، يطرح بوضوح مسألة قوة الانتماء الحزبي مقارنة بقوة المرشح المحلي.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي أمام منسق الإنصاف ليس إعادة رسم الخريطة وفق عدد المنتخبين أو حجم الاستقبالات، بل قراءة الصندوق كما هو:

من يصوت للحزب؟

ومن يصوت للشخص؟

ومن يستطيع، عندما يغيب اسمه عن ورقة الاقتراع، أن ينقل ناخبيه إلى الخيار الذي يتبناه حزبه؟

وعند الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن قياس حجم قوة الإنصاف الحقيقية في كوركول، لا كما تبدو في خريطة المناصب والشعارات، وإنما كما تظهر عندما يصبح الصوت الانتخابي هو معيار الوزن السياسي.

#البو 

#يتواصل..

في الحلقة المقبلة، نفتح ملف أهم الفاعلين السياسيين على مستوى ولاية كوركول ومقاطعاتها الخمس، انطلاقا من الأرقام والنتائج الانتخابية:

من يمتلك فعلا قاعدة شعبية يمكن قياسها في صناديق الاقتراع؟

ومن يختفي خلف الشعارات واللافتات والاستقبالات لصناعة شعبية وهمية لا تسندها الأرقام؟

كما سنستعرض مكاتب التصويت المحسوبة على أبرز الفاعلين السياسيين، ونقارن نتائجها بين الاستحقاقات، لرسم خريطة أكثر دقة للأوزان السياسية الحقيقية في الولاية، بعيدا عن ادعاءات التمثيل والنفوذ غير المثبت انتخابيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى