الحراطين و«الداليت».. حين تُغري المقارنة بإسقاط التاريخ على غير سياقه

أخبار كوركول / يطرح الأستاذ لوغورمو عبدول، في مقاله المقارن بين الحراطين والفئات الاجتماعية التي تعرضت تاريخيًا للتمييز في موريتانيا وبين «الداليت» في الهند، قضية جديرة بالنقاش، ويصيب حين يؤكد أن المساواة القانونية وحدها لا تمحو بالضرورة آثار المظالم الاجتماعية المتراكمة، وأن الدولة مطالبة بفتح أبواب التعليم والعمل والملكية والتمثيل أمام مواطنيها على قدم المساواة.

لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح التجربة الهندية هي المرآة التي نقرأ من خلالها تاريخ الحراطين والمجتمع الموريتاني؛ فالتشابه في بعض الآثار الاجتماعية لا يعني وحدة الأصل التاريخي، ولا تماثل البنية الاجتماعية التي أنتجتها.

وهنا يصبح الاحتراز الذي افتتح به الكاتب مقاله أهم من المقارنة نفسها.

فالحراطين ليسوا «داليت موريتانيا»، لا تاريخًا ولا مفهومًا ولا بنية اجتماعية.

الداليت نتاج تاريخ اجتماعي هندي بالغ الخصوصية، ارتبط عبر قرون بنظام طبقي شديد التعقيد، وبمفهوم «النبذ» الذي وصل إلى حد اعتبار مخالطة بعض الفئات أو لمسها مصدرًا للتدنيس في بعض التصورات الاجتماعية والدينية التقليدية.

ولهذا لم يكن عبثًا أن ينص الدستور الهندي، بعد الاستقلال، صراحة في مادته السابعة عشرة على إلغاء «النبذ»، وأن تقوم لاحقًا منظومة دستورية وقانونية للحماية والتمييز الإيجابي والحصص المخصصة لفئات محددة، من بينها الـScheduled Castes.

أما الحراطين، فتاريخهم تشكل في سياق آخر مختلف جذريًا: مجتمع صحراوي مغاربي إفريقي مسلم، عرف الرق كما عرفته مجتمعات كثيرة في العالم القديم، ثم ظلت بعض آثار علاقات الرق والتبعية الاجتماعية فيه قائمة بدرجات وأشكال مختلفة.

ولذلك فإن دراسة تاريخ الحراطين يجب أن تنطلق من التاريخ الموريتاني نفسه، لا من استعارة قالب هندي ثم البحث عما يملؤه في موريتانيا.

والفارق هنا ليس تفصيلًا.

موريتانيا بلد مسلم، والإسلام ليس عنصرًا هامشيًا يمكن إسقاطه من تحليل بنيتها التاريخية والاجتماعية.

فالجمهورية نفسها تُعرّف دستوريًا بأنها جمهورية إسلامية، والمجتمع الذي نناقش تاريخه تشكل، طوال قرون، داخل فضاء ثقافي وقيمي إسلامي.

والإسلام، في أصوله ونصوصه المؤسسة، لا يعرف «المنبوذ» الذي يولد فاقدًا للكرامة بسبب أصله، ولا الإنسان الذي تحط ولادته من قيمته الإنسانية، ولا طبقة بشرية يُحظر التعامل معها أو مؤاكلتها أو الصلاة إلى جانب أفرادها بسبب نسبهم.

القرآن حسم أصل المسألة بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وهذه ليست موعظة أخلاقية عابرة؛ إنها تأسيس لمعيار يرفض التفاضل في الكرامة الإنسانية على أساس الميلاد والنسب واللون والأصل الاجتماعي.

ومن هنا يجب التفريق بصرامة بين الإسلام وبين الممارسات التاريخية للمجتمعات المسلمة.

فقد عرفت مجتمعات مسلمة الرق، كما نشأت داخل بعضها تراتبيات وأعراف وتمييزات اجتماعية يتعارض بعضها مع مقاصد الإسلام في الكرامة والعدل والمساواة الإنسانية.

والاعتراف بذلك لا يطعن في الإسلام؛ بل يجعل الإسلام معيارًا تُقاس به تلك الممارسات بدل تحويل الممارسة التاريخية إلى جزء من الدين.

وهذا التفريق مهم جدًا في الحالة الموريتانية.

فالرق في موريتانيا حقيقة تاريخية، وآثاره الاجتماعية والاقتصادية ليست اختراعًا، وإنكار ما ثبت منها لا يخدم الوحدة الوطنية.

كما أن الدولة الموريتانية قطعت مسارًا قانونيًا في التعامل معه: من إلغاء الرق رسميًا سنة 1981، إلى تجريمه لاحقًا، ثم تشديد التشريع المتعلق به واعتباره جريمة ضد الإنسانية وإنشاء محاكم مختصة بجرائم الاسترقاق.

ولكن الاعتراف بهذا التاريخ شيء، وتحويل هوية الحراطين المعاصرة إلى مرادف دائم لوضع الرق التاريخي شيء آخر مختلف تمامًا.

وهنا تكمن إحدى مشكلات المقارنة الأساسية.

الحراطين اليوم مكوّن اجتماعي وطني واسع، وليسوا بقايا مؤسسة اجتماعية منقرضة يمكن تعريفهم جميعًا من خلالها.

فيهم العالم والفقيه، والسياسي والإداري، والوزير والبرلماني، والضابط، والأستاذ، ورجل الأعمال، والمزارع والعامل، كما فيهم الفقير والمهمش.

وهم جزء أصيل من التاريخ الاجتماعي والثقافي للفضاء البيظاني والموريتاني، لا جماعة وافدة عليه ولا جسمًا منعزلًا عنه.

كما أن حضورهم لم يبدأ مع الجمهورية الحديثة، ولم يبدأ مع الحركات الحقوقية المعاصرة.

لقد كان للحراطين رجال ونساء داخل المجتمع الموريتاني التقليدي، وأسهموا في الاقتصاد والزراعة والرعي والحياة الاجتماعية، وشارك أفراد منهم في المقاومة والتحولات السياسية اللاحقة، ثم أصبحوا جزءًا فاعلًا في بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها وفي الأحزاب والإدارة والجيش والتعليم والمجتمع المدني.

ولهذا فإن كتابة تاريخ الحراطين كتابة علمية تقتضي استعادة تاريخ فاعليتهم وإسهامهم أيضًا، لا الاقتصار على تاريخ ما وقع عليهم من رق أو تبعية أو تمييز.

فالإنسان لا يُعرَّف فقط بما تعرض له، وإنما كذلك بما صنعه وأسهم فيه.

وهذا فارق بالغ الأهمية بين خطاب التحرر وخطاب الاختزال.

أن نقول إن قطاعات من أسلاف الحراطين عانت الرق والتبعية الاجتماعية، وإن بعض آثار ذلك ما زالت تحتاج إلى معالجة، فنحن نناقش حقيقة تاريخية واجتماعية مشروعة.

أما أن يصبح الرق العدسة الوحيدة التي يُرى من خلالها الحراطين، جيلًا بعد جيل، فإننا نخاطر ــ باسم تحرير الإنسان من ماضيه ــ بأن نسجنه فيه إلى الأبد.

ثم إن الواقع الموريتاني أكثر تركيبًا من ثنائية «أحرار/أرقاء».

فقد عرفت مختلف المكونات الموريتانية أشكالًا متفاوتة من التراتب الاجتماعي والمكانة الموروثة.

وفي مجتمعات الهالبولار والسوننكي والولوف، كما في المجتمع البيظاني، توجد تصنيفات وتواريخ اجتماعية خاصة بكل مجموعة، ولا يجوز دمجها جميعًا في نموذج واحد، كما لا يجوز تجاهلها.

وفي هذه النقطة بالذات يمكن الاتفاق مع لوغورمو عبدول: المشكلة ليست عرقية بالضرورة.

لكن ينبغي الذهاب بهذه الفكرة إلى نهايتها المنطقية.

فإذا كانت بعض صور التراتب الاجتماعي عابرة للمكونات الإثنية واللغوية، وإذا كانت قد وجدت تاريخيًا بأشكال مختلفة داخل جماعات موريتانية متعددة، فإن الحل لا ينبغي هو الآخر أن يعيد إنتاج المجتمع في صورة كتل وراثية ثابتة، تقسمها الدولة وتحصيها سياسيًا بحسب أصول أجدادها.

ذلك قد يحارب التراتب القديم بأدوات يمكن أن تنتج تراتبًا جديدًا.

وهنا تحديدًا تظهر حدود استيراد التجربة الهندية.

إن نظام الـScheduled Castes الهندي نتاج تسوية دستورية هندية خاصة بتاريخ الهند وتركيبها السكاني والسياسي.

وقد حقق مكاسب مهمة في التعليم والوظيفة والتمثيل لفئات تعرضت تاريخيًا للإقصاء، لكنه لم يُلغِ مشكلة التمييز الطبقي في الهند، ولا تزال قضايا التمييز والعنف المرتبط بالطبقة والزواج داخل الجماعات وعدم المساواة موضوعًا حيًا في المجتمع الهندي بعد عقود طويلة من تطبيق سياسات الحصص.

إذن، التجربة الهندية نفسها ليست قصة انتهت بانتصار كامل يمكن تصديره.

بل فيها درس آخر قد يكون أهم لموريتانيا: حين تدخل الهوية الاجتماعية الموروثة في صلب توزيع الحقوق والفرص، يصبح تجاوز تلك التصنيفات لاحقًا بالغ الصعوبة.

وهنا يستحق مفهوم «العدالة التعويضية» الذي يقترحه المقال نقاشًا جادًا.

نعم، الدولة مطالبة بالتدخل حين تنتقل آثار الحرمان من جيل إلى جيل.

والطفل المولود في قرية بلا مدرسة جيدة، لعائلة فقيرة لا تملك أرضًا ولا رأس مال ولا شبكة علاقات، لا يبدأ السباق من النقطة نفسها التي يبدأ منها طفل توفرت له المدرسة والمال والعلاقات.

والمساواة بين الاثنين على الورق لا تصنع بالضرورة تكافؤًا حقيقيًا للفرص.

لكن السؤال هو: بأي معيار نصحح هذا الاختلال؟

هل نجعل الأصل الاجتماعي الموروث معيارًا؟

هل تسأل الجمهورية المواطن عن أصول أجداده لتحدد مقدار حقه في الوظيفة أو المنحة؟

وماذا نفعل بالمواطن الحرطاني الميسور والمتعلم أمام مواطن شديد الفقر من مكوّن اجتماعي آخر؟

وماذا نفعل بأسرة منحدرة من وسط كان مصنفًا تقليديًا في مرتبة اجتماعية أدنى، لكنها حققت خلال جيلين حراكًا اقتصاديًا وتعليميًا كبيرًا؟

وماذا عن الفقراء والمهمشين الذين لا ينحدرون من أصول مرتبطة بالرق أصلًا؟

هنا يمكن أن يتحول العلاج، إن لم يُضبط، إلى إعادة إنتاج للمرض.

والبديل الأعدل هو أن تجمع الدولة بين معالجة آثار المظالم التاريخية واستهداف الحرمان الفعلي القابل للقياس.

فتذهب المدرسة الممتازة والمنحة والداخلية والتكوين والتمويل والأرض الزراعية ومياه الري وفرص التشغيل إلى المناطق والأسر والفئات التي تثبت المؤشرات الموضوعية أنها الأكثر حرمانًا، مع آليات خاصة لمعالجة الآثار الموثقة للرق والتمييز التاريخي حيث توجد.

بهذا نعالج المظلمة من غير أن نصنع «سجل أنساب جمهوريًا» للمواطنين.

والأرض تحديدًا قضية مركزية.

فالتحرر لا يتحقق بالخطب.

ومن لا يملك وسيلة إنتاج، ولا تعليمًا، ولا حرفة، ولا قدرة على التمويل، قد يكون حرًا في القانون ولكنه عاجز اجتماعيًا عن تحويل حريته إلى استقلال اقتصادي.

ومن هنا فإن أقوى سياسة لصالح الحراطين وسائر الفئات المحرومة ليست أن نجعل أبناءهم أسرى تعريف اجتماعي أبدي، وإنما أن نجعل أبناء الفقير قادرين على مغادرة الفقر، وأن نزيل العوائق الموروثة حيث تثبت موضوعيًا.

مدرسة حقيقية، وتكوين نوعي، وملكية، وتمويل، وزراعة حديثة، ووظائف على أساس الكفاءة، وعدالة تمنع الاستغلال؛ تلك أدوات تحرر أكثر رسوخًا من صناعة حصص سياسية تتنازعها النخب.

وهناك جانب آخر لا يجوز تجاهله: الكرامة الاجتماعية.

من مخلفات التراتب الاجتماعي في موريتانيا استمرار بعض الأحكام والممارسات المتعلقة بالنسب والمصاهرة والمهن والأصول الاجتماعية.

ومحاربة هذه الثقافة واجب ديني وأخلاقي ووطني.

فلا القرآن ولا السنة يمنحان إنسانًا تفوقًا في الكرامة الإنسانية لأنه ابن فلان، ولا يحطان من آخر لأنه ابن فلان.

وإذا رفض مسلم مسلمًا كفؤًا لمجرد أصل اجتماعي يحتقره، أو رأى نفسه أرفع منه إنسانية بسبب نسب ورثه ولم يصنعه، فإن المشكلة هنا ليست في الإسلام، وإنما في تغلب الموروث الاجتماعي على قيم الإسلام في العدل والكرامة.

وهذه معركة ينبغي أن يكون للعلماء والمربين والمثقفين فيها دور أساسي إلى جانب الدولة والمجتمع.

فالإصلاح الحقيقي لا يحتاج فقط إلى قانون يجرم الاسترقاق، وإنما إلى خطاب ديني واجتماعي صريح يقول للناس إن احتقار الإنسان بسبب أصل آبائه من عصبيات الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها.

لكن ذلك كله لا يبرر قلب الصورة.

فكما أنه لا يجوز إنكار الرق وآثاره، لا يجوز صناعة سردية توحي بأن المجتمع الموريتاني انقسم تاريخيًا إلى «سادة يصنعون التاريخ» و«حراطين لا تاريخ لهم إلا الرق».

هذه صورة فقيرة علميًا ومجحفة في حق الحراطين أنفسهم.

إنصاف الحراطين يبدأ أيضًا بإخراج تاريخهم من كتاب الرق وحده.

ينبغي البحث عن علمائهم، وصلحائهم، وفرسانهم، ومقاوميهم، ومزارعيهم، وأهل الرأي فيهم، ثم رجالهم ونسائهم الذين أسهموا في الحركة الوطنية وفي الإدارة والسياسة والجيش والتعليم والاقتصاد وفي بناء الجمهورية الحديثة.

وتلك مسؤولية المؤرخين الموريتانيين؛ لأن تاريخ الفئات التي كانت أقل حضورًا في مصادر التدوين المكتوبة غالبًا ما يبقى موزعًا في الرواية الشفهية والذاكرة المحلية أكثر مما يظهر في الوثائق الرسمية.

ولهذا ينبغي الحذر من عبارة تبدو تقدمية لكنها قد تحمل أثرًا معاكسًا: «أحفاد العبيد».

إلى متى يظل الإنسان معرفًا بوضع اجتماعي أو قانوني عاشه أحد أسلافه؟

بعد جيل؟ ثلاثة؟ عشرة؟

الإسلام فتح أبواب العتق والتحرير والاندماج في المجتمع، ولم يؤسس طبقة أبدية تسمى «ذرية العبيد».

ولهذا فإن مشروع التحرر الحقيقي يجب أن تكون غايته النهائية إلغاء الحاجة إلى التصنيف الموروث ذاته، لا تحويله إلى هوية دستورية خالدة.

وهنا نلتقي مرة أخرى مع خاتمة لوغورمو عبدول عندما يقول إن الأصل الاجتماعي ينبغي أن يفقد قدرته على تحديد مكان الفرد.

لكن بلوغ هذه النتيجة يقتضي الحذر من الوسائل التي قد تجعل الدولة نفسها الحارس الجديد لتلك الأصول.

موريتانيا تحتاج بالفعل إلى مصالحة عميقة مع تاريخها.

لكن المصالحة لا تعني الإنكار، ولا تعني جلد الذات.

نقول بلا تردد: نعم، عرف تاريخ موريتانيا الرق. نعم، تعرض موريتانيون للظلم والتمييز بسبب أوضاعهم وأصولهم الاجتماعية. نعم، بقيت من ذلك آثار اجتماعية واقتصادية يجب العمل على إزالتها. ونعم، كل ممارسة استرقاقية قائمة يجب أن يواجهها القانون بلا هوادة.

لكننا نقول بالقوة نفسها:

الحراطين ليسوا «منبوذي موريتانيا».

ليسوا طبقة دينية منفصلة، ولا جماعة خارجة عن نسيج البلد الحضاري، ولا كتلة بلا تاريخ انتظرت الدولة الحديثة لكي تمنحها وجودًا.

هم جزء أصيل من المجتمع الموريتاني ومن تاريخه، أسهموا في إنتاج ثروته وثقافته وحياته الاجتماعية، وشارك رجال ونساء منهم في تحولات البلاد وفي بناء دولتها الحديثة.

وهم اليوم حاضرون في مختلف مستويات المجتمع والدولة، وإن ظلت قطاعات منهم، مثل قطاعات من موريتانيين آخرين، تعاني الفقر والتهميش وضعف الفرص.

والفارق بين هذه الصورة وصورة «الداليت» ليس مجرد فرق في المصطلحات؛ إنه فرق في التاريخ والبنية والمرجعية الحضارية.

يمكن أن نتعلم من الهند كيف حاولت دولة كبرى معالجة مظالم تاريخية متجذرة، ويمكن أن نستفيد من نجاحاتها وإخفاقاتها.

لكن موريتانيا لا تحتاج إلى أن تصبح هندًا صغيرة حتى تحقق العدالة.

لدينا تاريخنا، ولدينا تركيبتنا الاجتماعية، وفوق ذلك لدينا مرجعية إسلامية تقرر مبدأ أكثر جذرية من إدارة التفاوت بين الطبقات: المساواة في أصل الكرامة الإنسانية، ورفض أن يكون النسب أو اللون أو الأصل الاجتماعي معيارًا للتفاضل بين المواطنين في الحقوق والواجبات.

فالغاية ليست أن يحصل «الحرطاني» على مكان أفضل لمجرد كونه حرطانيًا، ولا أن يفقد غيره حقًا بسبب أصل آبائه؛ الغاية أن يصل اليوم الذي لا يحتاج فيه المواطن أصلًا إلى تقديم نسبه لكي يأخذ حقه.

دولة لا تسأل: من كان جدك؟

بل تسأل: ما حقك؟ وما كفاءتك؟ وما مقدار الحرمان الذي ينبغي أن نزيله عنك؟

ودولة تحمي الضعيف لأنه مواطن، وتعاقب من يمارس الاسترقاق لأنه مجرم، وتنصف من وقع عليه التمييز لأنه صاحب حق، وتفتح المدرسة والوظيفة والأرض والتمويل أمام أبنائها لأنها دولتهم جميعًا.

ذلك أقرب إلى العدل، وأوفى بحقائق التاريخ، وأشد انسجامًا مع الإسلام، وأحفظ لوحدة موريتانيا من استنساخ خرائط اجتماعية ولدت في سياقات حضارية أخرى.

فالمطلوب ليس إنكار ذاكرة الحراطين، وإنما تحريرهم حتى من الصورة التي لا ترى فيهم إلا ذاكرة الرق.

ولعل العدالة التاريخية الحقيقية تبدأ يوم نكف عن تعريف الإنسان بما كان عليه أجداده، ونبدأ في تعريف الجمهورية بما تتيحه لأبنائها جميعًا من كرامة وحرية وعدل وتكافؤ في الفرص.

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

تلك، قبل الهند وبعدها، هي القاعدة التي ينبغي أن تبدأ منها موريتانيا المسلمة..

عالي أحمد سالم الملقب البو 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى