كيهيدي تحت ضغط النفايات .. حملات متكررة و نظام نظافة لم يكتمل

أخبار كوركول (كيهيدي) – تواجه مدينة كيهيدي، عاصمة ولاية كوركول، أزمة نظافة مزمنة تكشف خللًا متداخلًا في التخطيط والتنفيذ والتمويل والرقابة.

فخلال السنوات الأخيرة توالت الحملات والاجتماعات والمشاريع، وتعددت الجهات المشاركة فيها، لكن النفايات ظلت تعود إلى الشوارع والمكبات بعد انتهاء التدخلات.

وتكشف هذه المفارقة أن المدينة لم تنتقل بعد من منطق الحملات المؤقتة إلى نظام بلدي دائم لجمع النفايات ونقلها ومعالجتها.

يعود تاريخ التدخلات الحديثة إلى حملة سنة 2020 ضمن برنامج «أولوياتي»، ثم مشروع نظافة شمل ثماني بلديات سنة 2021، أعقبته حملة سنة 2024 بالتعاون مع منظمة الرؤية العالمية.

وتواصلت الجهود باجتماع موسع في مايو 2025، وتوزيع معدات على البلديات، ثم حملة يونيو 2026، قبل أن تدخل الولاية في أكتوبر 2026 مسار الهبة الوطنية للنظافة.

وقد شاركت في مختلف هذه المحطات السلطات الإدارية، وبلدية كيهيدي، وجهة كوركول، والمصالح الجهوية، والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

ومن بين أبرز التدخلات مشروع «كيهيدي مدينة نظيفة»، الذي مولته منظمة الرؤية العالمية الألمانية بغلاف مالي قدره 50 مليون أوقية قديمة.

استهدف المشروع 12 منطقة، ووفر 24 عربة ثلاثية العجلات ونحو 2000 حاوية منزلية، إضافة إلى فرص عمل للسكان.

وبذلك وضع المشروع أساسًا أوليًا لنظام جمع ونقل النفايات، لكنه ارتبط بمدة ستة أشهر، ولم يتحول بعد انتهائها إلى خدمة بلدية دائمة وممولة بصورة مستقرة. 

وعلى المنوال نفسه، وفر مشروع نظافة البلديات سنة 2021 عمالًا وآليات وأدوات، ونفذ جمعًا يوميًا للقمامة ونقلها إلى مكب خارج المدينة.

وقد تحسن المشهد الحضري خلال فترة المشروع، غير أن توقف التمويل أعاد المشكلة إلى الواجهة، لأن البلدية لم تكن تملك الموارد الكافية لمواصلة الخدمة بالمستوى نفسه.

وهنا يتضح أحد مكامن الخلل الأساسية: تنفيذ مشاريع مؤقتة دون ضمانات تشغيلية تضمن استمرارها بعد انتهاء التمويل. 

وفي هذا السياق، جاء تدخل مشروع «مدن» ضمن مسار دعم اللامركزية وتنمية المدن المتوسطة والمنتجة.

وقد أظهرت الدراسة البيئية والاجتماعية المرتبطة بالمشروع أن كيهيدي لا تتوفر على نظام فعال لإدارة النفايات الصلبة، وأن النظافة ظلت مرتبطة بحملات موسمية متفرقة تفتقر إلى الإمكانات اللازمة للاستمرار.

كما شهدت المدينة تدخلات مرتبطة بتنظيف الشبكة القديمة، في انتظار الدراسات الهيكلية الدائمة.

غير أن أثر مشروع «مدن» في إنشاء خدمة متكاملة للنفايات لم يظهر بالوضوح المطلوب، رغم أهميته في دعم التخطيط والصيانة والبنية البلدية.  

ولمعالجة مشكلة المكبات العشوائية، اعتمدت البلدية مكبًا موحدًا يقع على بعد نحو سبعة كيلومترات من كيهيدي على طريق لكصيبة.

وكان الهدف من ذلك تجميع النفايات خارج المدينة، بدل تركها في مواقع متفرقة داخل الأحياء.

لكن تحديد المكب لا يكفي وحده، لأن نجاحه يرتبط بوجود شاحنات كافية، ومسارات منتظمة، وحراسة، ورقابة، وآلية تمنع تفريغ النفايات في المواقع القديمة.

ولهذا بقيت أجزاء من المدينة تعاني من عودة الأوساخ، رغم نقل المكبات إلى موقع واحد.

وفي يونيو 2026 أعلنت البلدية التعاون مع مشروع خاص لمعالجة النفايات وتدويرها، مع توفير عشرين فرصة عمل وتحويل النفايات إلى مورد اقتصادي.

وكان من شأن هذا المشروع أن ينقل المعالجة من مجرد رفع القمامة إلى التدوير والتثمين وخلق فرص العمل.

غير أن الحديث عنه تراجع في الاجتماعات والحملة الجهوية الأخيرة، التي ركزت على التنظيف والتحسيس والردع.

ويطرح هذا التراجع سؤالًا حول مصير مشروع التدوير، وما إذا كان دخل مرحلة التشغيل، أم بقي في حدود الإعلان الأول. 

وفي الإطار التنموي الأوسع، توسع مشروع «الصمود والتنمية الجماعية» ليشمل بلديات جديدة في مقاطعتي كيهيدي ومقامة.

ويعمل المشروع على التخطيط المحلي، ومواجهة مخاطر الفيضانات، ودعم التنمية الجماعية.

ويمكن لهذا المشروع أن يساند البلديات في إعداد خطط بيئية وخدمات محلية، شرط إدماج النظافة وإدارة النفايات ضمن تدخلاته بصورة واضحة، حتى لا تبقى مشاريع التنمية منفصلة عن المشكلة اليومية التي تواجهها المدن. 

ورغم تعدد المشاريع، بقيت النتائج متشابهة.

تتم إزالة القمامة، تتحسن بعض الشوارع، ثم تعود النفايات إلى المواقع نفسها بعد فترة قصيرة.

وقد سبق للمجتمع المدني والشباب أن نظفوا مكبات داخل المدينة، لكن الأوساخ عادت إلى عدد من المواقع خلال أقل من أسبوع، لأن عمليات التنظيف لم تتبعها خدمة جمع يومية، ولا رقابة ميدانية، ولا تطبيق فعلي للقانون.

وتكشف هذه الوقائع أن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات، بل في غياب سلسلة متكاملة تبدأ من المنزل، وتمر بجمع منتظم، وتنتهي في مكب مراقب أو منشأة لمعالجة النفايات وتدويرها.

وتزداد صعوبة الوضع بسبب محدودية المعدات.

فالمعدات موجودة، لكنها غير كافية لتغطية جميع الأحياء والبلديات.

وتحتاج المدينة إلى عدد أكبر من الشاحنات والآليات وأدوات الجمع، إضافة إلى الوقود والصيانة والعمال.

ويؤدي هذا النقص إلى تدخلات متقطعة لا تغطي المدينة بصورة منتظمة.

وتتحمل بلدية كيهيدي مسؤولية التنفيذ المباشر، لكنها تعمل بقدرات محدودة وتمويل غير مستقر.

أما الولاية فتتولى التعبئة والتنسيق والمتابعة، بينما تشارك جهة كوركول في الاجتماعات والحملات باعتبارها مؤسسة منتخبة جهوية.

لكن المسؤوليات ما تزال موزعة دون مؤشرات أداء معلنة، ودون جهة واحدة تملك صلاحية المتابعة والمساءلة اليومية.

ويزيد ضعف الوعي المدني من تعقيد المشكلة، إذ يستمر رمي النفايات في الشوارع وحول الأسواق وفي المواقع التي جرى تنظيفها.

وجاءت الهبة الوطنية الأخيرة في هذا السياق، تنفيذًا لدعوة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني يوم 26 سبتمبر 2026 من مدينة بنشاب.

وتولت وزارة الداخلية تحويل الدعوة إلى خطة وطنية تقوم على تنظيم حملات للنظافة والتحسيس، وإزالة النقاط السوداء، ومعالجة المكبات العشوائية، وتعبئة الموارد والآليات.

كما اقترحت الوزارة إنشاء لجان وطنية وجهوية ومقاطعية لتنسيق الجهود ومتابعة التنفيذ، بهدف الانتقال من الحملات الظرفية إلى عمل مستدام.

والهبة الوطنية مبادرة تطوعية تقوم على مشاركة السلطات والمنتخبين والمواطنين والمجتمع المدني والقطاع الخاص.

غير أن انطلاقتها في كيهيدي، كما في باقي مقاطعات الولاية، شهدت غياب  الأطر والفاعلين السياسيين والموظفين السامين المنحدرين من كوركول، رغم أنها جاءت استجابة مباشرة لدعوة رئيس الجمهورية.

وقد عكست صور انطلاق الحملة في المقاطعات هذا الغياب، بما يطرح سؤالًا حول مستوى الالتزام السياسي والإداري بالهبة، وحول مدى تحول الدعوة الرئاسية إلى مشاركة ميدانية فعلية.

وتتميز الحملة الأخيرة عن سابقاتها بإعلان فرض غرامات على المخالفين.

ويمثل هذا الإجراء عنصرًا جديدًا في معالجة المشكلة، لأن الحملات السابقة اعتمدت أساسًا على التنظيف والتحسيس والمشاركة التطوعية.

لكن الغرامات لن تحقق أثرًا دائمًا إذا لم تقترن بحاويات كافية، وجمع منتظم، ومراقبة مستمرة، وتطبيق متساوٍ للقانون.

وعليه، فإن المشكلة المركزية في كيهيدي تتمثل في غياب الاستدامة.

فالمشاريع موجودة، والمعدات متوفرة لكنها غير كافية، والمكب حُدد، والشركاء شاركوا، والاجتماعات عُقدت، لكن الخدمة اليومية لم تستقر.

ويقتضي تجاوز هذا الوضع تخصيص ميزانية سنوية للنظافة، وتثبيت العمال، وصيانة الآليات، وتحديد جدول معلن لجمع النفايات، وتوفير حاويات كافية في الأحياء، ومراقبة المكب الواقع على طريق لكصيبة.

كما يتطلب الأمر إعادة تفعيل مشروع تحويل النفايات وتدويرها، وربط مشروعي «مدن» و«الصمود» بخطة بيئية موحدة، مع استمرار الغرامات ونشر نتائج شهرية قابلة للقياس.

وبغير هذه الإجراءات، ستظل كيهيدي تنتقل من حملة إلى حملة، وستبقى عاصمة كوركول عاجزة عن الحفاظ على نظافتها بعد أيام قليلة من انتهاء كل تدخل

#أخبار كوركول 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى