زيارة منسق الإنصاف إلى كوركول .. المأمورية الثالثة تعيد فرز المواقف وتكشف موازين القوة وحدود التمثيل السياسي

أخبار كوركول/ لم تنتهِ زيارة الأمين الدائم لحزب الإنصاف، منسق العمل الحزبي بولاية كوركول سيدي ولد مولاي الزين، بانتهاء لقاءاته في مقاطعات الولاية.
فما شهدته من تعبئة واستقبالات واجتماعات، وما تلي خلالها من بيانات، وما أعقبها من توضيحات وخرجات إعلامية، كشف جوانب متعددة من واقع الحزب وموازين القوى داخله.
كانت الزيارة حزبية في طبيعتها وبرنامجها، إذ خُصصت لقاءاتها لمنتخبي حزب الإنصاف وأطره وفاعليه ومناضليه.
لكن البيانات التي قُرئت أمام المنسق لم تُنسب إلى منتخبي الحزب وحدهم في جميع المحطات، بل قُدم بعضها باسم منتخبي المقاطعات وأطرها وفاعليها.
ومن هنا تجاوز النقاش الإطار التنظيمي للزيارة.
فالمجالس المحلية في بعض المقاطعات تضم عمدًا ومنتخبين ينتمون إلى أحزاب أخرى من الأغلبية الرئاسية، ولم يكن واضحًا في كل الحالات مدى مشاركتهم في إعداد تلك البيانات أو موافقتهم على مضمونها.
وازداد الأمر أهمية حين تضمنت البيانات المطالبة بمراجعة الدستور لتمكين رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني من الترشح لمأمورية ثالثة.
فلم يعد النقاش متعلقًا بنجاح الاستقبال أو حجم التعبئة، بل أصبح متصلًا بموقف سياسي ودستوري نُسب إلى دوائر أوسع من الحضور الحزبي المباشر.
وقد تحولت الزيارة منذ محطاتها الأولى إلى مناسبة لاستعراض القوة السياسية.
فحرص بعض الفاعلين على جمع قواعدهم في أماكن منفصلة عن موقع الاستقبال العام، لإظهار حجم حضورهم وقدرتهم على التعبئة بعيدًا عن الحشد المشترك.
وأصبح توزيع الأنصار في أكثر من نقطة جزءًا من المنافسة على لفت انتباه المنسق وإبراز الوزن المحلي لكل طرف.
كما حضر المنسق في مدينة كيهيدي اجتماعات سياسية نظمها بعض الفاعلين وجمعوا لها قواعدهم الشعبية.
وأتاحت تلك اللقاءات لأصحابها تقديم حجمهم السياسي بصورة مستقلة وإظهار ما يملكونه من حضور خارج ترتيبات الاستقبال العام.
وطالب منظمو بعضها دون مواربة بمأمورية ثالثة لرئيس الجمهورية.
وكان هذا الموقف أكثر صراحة من كثير من المداخلات التي شهدتها الاجتماعات العامة في المقاطعات.
فقد انشغلت مداخلات عديدة بمطالب شخصية أو بقضايا تخص قرية أو بلدية.
وتراجع صوت المطالبة بالمأمورية الثالثة أمام الملفات المحلية والشكاوى المرتبطة بالخدمات والتعيينات والتمثيل السياسي.
كما اتجهت بعض المداخلات إلى توجيه الاتهامات للمنافسين المحليين، وبلغت في حالات معينة مستوى حادًا، كما حدث في كيهيدي.
وبينما تبنت البيانات مطلب تعديل الدستور، خفت حضوره في عدد من النقاشات المباشرة التي غلبت عليها المطالب المحلية والحسابات الشخصية.
وكان الحدث السياسي الأبرز خلال الزيارة إعلان مجموعة أهل محمد امبارك الوازنة في مقاطعة لكصيبة انسحابها من حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» وانضمامها إلى حزب الإنصاف.
وجاء هذا الانضمام بتأطير مباشر من الإطار بوزارة الزراعة باب أحمد ولد النقرة، وبحضور منسق الحزب وفدراليه على مستوى الولاية ورئيس فرعه في لكصيبة.
ومنح هذا التحول زيارة المنسق مكسبًا تنظيميًا واضحًا، لأنه لم يقتصر على حشد قواعد الحزب، بل أفضى إلى استقطاب جماعة سياسية معتبرة من أحد أبرز أحزاب المعارضة.
كما أبرز قدرة التأطير المحلي على تحويل الزيارة من مناسبة لعرض الأحجام القائمة إلى فرصة لتوسيع القاعدة الحزبية واستقطاب قوى جديدة.
وفي أمبود تلي بيان باسم منتخبي المقاطعة وأطرها وفاعليها يطالب بمراجعة الدستور لتمكين الرئيس غزواني من الترشح لمأمورية ثالثة.
غير أن النائب عن حزب الكرامة الحسن ولد باها أوضح لاحقًا أنه لم يُستشر هو ولا عمد حزبه الأربعة بشأن البيان.
وأظهر هذا التوضيح مسافة بين طبيعة اللقاء وصفة النص الذي قُرئ خلاله.
فالاجتماع كان خاصًا بحزب الإنصاف، بينما حمل البيان اسم منتخبي المقاطعة بصيغة تشمل ضمنًا منتخبين من أحزاب أخرى.
وفي المقابل كان النائب يرب ولد ابريك والعمدة حمزة ولد جعفر من حزب التحالف الوطني الديمقراطي في مقدمة مستقبلي المنسق إلى جانب منتخبي الإنصاف وأطره في أمبود.
ويعكس ذلك مشاركة سياسية ضمن مكونات الأغلبية، لكنها تظل منفصلة عن تبني مضمون البيان ما لم يصدر بشأنه موقف واضح من أصحابه.
فالاستقبال يعبر عن الحضور والتنسيق، بينما تمثل المطالبة بتعديل الدستور موقفًا محددًا لا يُستخلص من المشاركة وحدها.
وفي لكصيبة حمل المشهد دلالات مختلفة.
فأسرة أهل كن لم تظهر بالمستوى الذي عرفت به خلال مناسبات سياسية مماثلة.
وغابت مرجعياتها، بينما حضر النائب محمد عبد الله كن وأحد أبناء الأسرة العامل إطارًا في البنك المركزي.
وكان النائب حاضرًا وعلى علم بمضمون البيان الذي تلاه عمدة لكصيبة باسم منتخبي حزب الإنصاف وأطره وفاعليه في المقاطعة.
غير أنه ظهر بعد انتهاء الزيارة وعودة المنسق إلى نواكشوط في خرجة إعلامية مسجلة، جدد فيها تمسكه بما ورد في البيان ودعمه له.
ويطرح توقيت هذه الخرجة أكثر من سؤال حول خلفيتها السياسية.
فهل فُسر غياب مرجعيات الأسرة وضعف حضورها على أنه تحفظ على مطلب المأمورية الثالثة؟
أم أن وشاية سياسية دفعت النائب إلى تجديد موقفه بصورة منفصلة، منعًا لاستغلال ذلك الغياب أو تأويله على غير حقيقته؟
لا تتوافر إجابة معلنة عن هذه الأسئلة.
لكن الحاجة إلى إعادة تأكيد موقف سبق للنائب أن حضر إعلانه تكشف حجم التأويلات التي أطلقتها الزيارة، ومدى تحول الحضور والغياب إلى مادة في التنافس السياسي المحلي.
كما أثارت طريقة قراءة بيان لكصيبة ملاحظات مرتبطة بمدى وصول مضمونه إلى الحاضرين.
فقد تولى قراءته باللغة العربية عمدة يغلب على تكوينه استعمال الفرنسية، في وقت لم يتمكن فيه جانب من الجمهور من استيعاب النص على النحو المطلوب.
وكان بالإمكان قراءة البيان بالفرنسية ثم تقديم ترجمته بالعربية، لكن ذلك لم يحدث.
وقد جعل هذا الاختيار البيان حاضرًا من حيث الصيغة، وأقل وضوحًا من حيث التواصل مع الجمهور.
وفي المقابل بدت كلمة النائب سعداني خيطور خلال الاجتماع أكثر وضوحًا في التعبير عن الموقف السياسي.
فقدمت مضمونًا مباشرًا استطاع الحاضرون متابعته بصورة أيسر من البيان نفسه.
أما في مونكل فكان الغياب أحد أبرز عناصر المشهد.
فقد غاب أطر وفاعلون يشغلون مناصب عليا، رغم ما كانت تتيحه الزيارة من فرصة لإظهار حضورهم وصلتهم بالقواعد المحلية.
ولا يكفي الغياب وحده لتحديد موقف أصحابه من المأمورية الثالثة.
لكنه يظل عنصرًا مهمًا في قراءة مستوى الانخراط السياسي، خاصة حين يقترن بضعف التعبئة وغياب التوضيح.
كما انفردت مونكل بطريقة تقديم بيانها.
ففي المقاطعات الأخرى تولى عمد من حزب الإنصاف قراءة البيانات، بينما قرأ رئيس قسم الحزب في مونكل بيان المقاطعة.
ولا يسمح هذا الاختلاف بإصدار حكم على مواقف المنتخبين.
لكنه يعكس خصوصية في الترتيبات المحلية وفي الجهة التي تحملت مسؤولية تقديم النص أمام المنسق.
وفي مقامة بدت الصورة أكثر اتصالًا بين الحضور والتنظيم والموقف المعلن.
فقد شارك المنتخبون والأطر والفاعلون السياسيون، وسجلت مختلف بلديات المقاطعة حضورًا واسعًا في الاستقبالات واللقاءات.
واستمر هذا الحضور في المهرجان الذي ترأسه المنسق وتلي خلاله البيان.
ومنح التقارب بين مستوى التعبئة وطبيعة التمثيل السياسي ومضمون الخطاب موقف مقامة صورة أكثر وضوحًا من بقية المحطات.
وتكشف المقارنة بين المقاطعات أن قوة البيانات لا تقاس بصياغتها وحدها.
فقيمتها التمثيلية ترتبط بالجهات التي شاركت في إعدادها، ومن وافق على مضمونها، ومن تولى قراءتها، ومدى انسجامها مع الحضور السياسي والشعبي المحيط بها.
كما أظهرت الزيارة أن حجم التعبئة لم يكن دائمًا مرادفًا لوحدة الموقف.
فقد يحشد الفاعل أنصاره لإثبات وزنه داخل الحزب دون أن تكون المأمورية الثالثة محور تحركه.
وقد يحضر المنتخب استقبال المنسق دون أن يتبنى كل ما ورد في بيان قُرئ خلال اللقاء.
وقد يغيب إطار عن الزيارة دون أن يعني ذلك تلقائيًا رفضه للمطلب المطروح.
لكن هذه التفاصيل مجتمعة أصبحت أساسًا لقراءة المواقع وإعادة تقييم الأحجام داخل المشهد المحلي.
فمن جمع قواعده في نقطة مستقلة أظهر قدرته على الحشد.
ومن نظم اجتماعًا خاصًا قدم نفسه بوصفه طرفًا قائمًا بذاته.
ومن أعلن المطالبة بالمأمورية الثالثة خلال الزيارة سجل موقفًا مبكرًا.
ومن صمت أو غاب ترك المجال مفتوحًا أمام تفسيرات متعددة.
ومن تحرك بعد انتهاء الجولة دخل مرحلة تدارك الصورة أو توضيح الموقف.
وقد دفعت هذه الأجواء عددًا من الفاعلين إلى إصدار بيانات فردية أو تسجيل خرجات إعلامية بعد مغادرة المنسق.
ولم تكن تلك التحركات منفصلة عن التنافس داخل المقاطعات.
فالمأمورية الثالثة تحولت من مطلب ورد في بعض البيانات إلى معيار تُقرأ من خلاله مواقع المنتخبين والأطر وعلاقاتهم بقيادة الحزب.
وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بمن يدعم الرئيس، بل بمن طالب بتعديل الدستور، ومن تحفظ، ومن غاب، ومن لم يعبئ قواعده، ومن تأخر في إعلان موقفه.
ومن هذه الزاوية فتح الملف أبواب الوشاية السياسية بين المتنافسين.
فبدأ كل طرف يرصد حضور الآخر وصمته وعباراته، ويقدم قراءته الخاصة لموقفه داخل الدوائر الحزبية والسياسية.
كما وجد بعض الفاعلين محدودي الحضور في البيانات الفردية وسيلة لإثبات مواقعهم ومنع منافسيهم من تفسير صمتهم نيابة عنهم.
ولا يعني ذلك أن كل بيان صدر بدافع المنافسة، أو أن كل غياب يمثل تحفظًا، أو أن كل حضور يعني تبني المأمورية الثالثة.
لكنه يؤكد أن الزيارة دفعت الفاعلين إلى تحديد مواقعهم تحت ضغط المقارنة والتأويل.
وقد أظهرت حصيلتها أربع دوائر داخل المشهد المحلي.
دائرة حشدت وأعلنت موقفها خلال الزيارة.
ودائرة حضرت وشاركت دون أن تربط حضورها بموقف صريح من تعديل الدستور.
ودائرة غابت أو ظهرت دون المستوى الذي كان منتظرًا منها.
ودائرة تحركت بعد انتهاء الجولة لتوضيح موقفها أو تدارك ما خلفه غيابها أو ضعف حضورها من قراءات.
هذه الدوائر لا تقدم أحكامًا نهائية على أصحابها.
إنها تعكس اختلاف الحسابات السياسية ودرجات الانخراط وطرق التعامل مع قضية لم تكن العنوان المعلن للزيارة، ثم أصبحت أبرز ما بقي منها في النقاش العام.
لقد كشفت زيارة منسق الإنصاف إلى كوركول قدرة بعض الفاعلين على التعبئة، وحدود حضور آخرين، والفارق بين الموقع الوظيفي والوزن الميداني.
كما طرحت سؤالًا حول دقة الصفة التي تصدر بها البيانات، وحدود الفصل بين موقف حزب الإنصاف ومواقف بقية المنتخبين في المقاطعات.
وانتهت الزيارة، لكن خريطة المواقف التي أفرزتها ما تزال قيد التشكل.
وسنعود إلى الموضوع للوقوف على من حضر، ومن غاب، ومن طالب بالمأمورية الثالثة، ومن تحفظ، ومن اختار الصمت، ومن سعى لاحقًا إلى تدارك موقفه.



