كوركول.. مهرجان كيهيدي وتدشين مقامة يكشفان فرزًا مبكرًا داخل حزب الإنصاف

أخبار كوركول/ تكشف التطورات الأخيرة في ولاية كوركول أن حزب الإنصاف دخل مرحلة فرز داخلي مبكر، لم يعد محصورا في التقديرات الجانبية أو النقاشات المغلقة، بل بدأ يظهر في طبيعة الحضور والغياب، وفي نوعية المناسبات التي يختار كل طرف أن يظهر فيها، وفي انتقال النفوذ من مقاطعة إلى أخرى داخل الولاية.
هذا الفرز برز من خلال حدثين متقاربين زمنيا، لكنهما مختلفان في الطبيعة والدلالة.
الأول هو مهرجان مكافحة خطاب الكراهية والعنصرية والتطرف الذي نظم في كيهيدي باسم منسقية شباب ولاية كوركول، وأشرف عليه الأمين العام لوزارة المالية جالو مامادو عبدولاي.
والثاني هو تدشين دار الشباب في مقامة، وهو نشاط رسمي أشرف عليه والي ولاية كوركول وحضره وزير العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري أنيانغ مامودو، و وزير الصحة التيجاني تيام.
مهرجان كيهيدي ليس نشاطا رسميا للدولة، وهذه نقطة أساسية في فهم معناه السياسي.
فوزنه لم يأت من صفته، بل من نوع الحضور الذي استقطبه.
فقد جمع منتخبين وفاعلين من كيهيدي ومونكل ومقامة ولكصيبة، وهو ما أكد مرة أخرى أن جالو مامادو عبدولاي لم يعد يتحرك داخل كيهيدي وحدها، بل داخل مجال سياسي اتسع إلى مقاطعات أخرى من الولاية.
وهذا الاتساع لم يبدأ مع المهرجان نفسه.
فمنذ الانتخابات التشريعية والبلدية والرئاسية الماضية، أظهر جالو قدرة واضحة على الاستقطاب داخل حزب الإنصاف، وتجسد ذلك في أكثر من مناسبة سياسية رعاها أو ارتبطت باسمه.
لذلك لم يكن مهرجان كيهيدي بداية نفوذ جديد، بل مناسبة كشفت نفوذا راكمه الرجل خلال السنوات الأخيرة، وأكدت أنه خرج من مركزه التقليدي في كيهيدي إلى دوائر أخرى داخل كوركول.
ولهذا فإن نوعية الحضور في المهرجان كانت أهم من عنوانه.
فحضور نائب كيهيدي تومبي وار، ونائب مونكل أحبيب ولد أجاه، وعمدة كيهيدي دمب أنجاي، وعمدة دولل، وعمد كنكي والطلحاية وجول، والعمدة المساعد لبلدية لكصيبة، إلى جانب فاعلين وشباب من أكثر من مقاطعة، لا يقرأ فقط باعتباره مشاركة في مهرجان ذي عنوان اجتماعي وسياسي، بل بوصفه دليلا على أن جالو بات قادرا على جمع منتخبين وفاعلين من خارج كيهيدي في مناسبة غير رسمية.
وتبرز لكصيبة هنا بوصفها إحدى النقاط الحساسة في هذا التحول.
فالمعطيات التي تتحدث عن التحاق عدد من الفاعلين الشباب في المقاطعة بقطب جالو تعني أن تمدده لم يعد محصورا في محيطه التقليدي، بل بدأ يقترب من المجال السياسي الذي يتحرك فيه التيجاني تيام.
وهذه نقطة مهمة لأن التيجاني لا يمارس السياسة على مستوى الولاية كلها، بل يرتبط حضوره السياسي بلكصيبة تحديدا، بوصفه أحد أبنائها، وبوصفها المجال الذي ارتبط به صعوده السياسي.
من هذه الزاوية، يكتسب حضور التيجاني تيام إلى مقامة دلالة خاصة.
فالرجل لم يحضر نشاطا صحيا، ولا نشاطا يدخل ضمن اختصاص قطاعه، بل حضر تدشين دار شباب لا صلة له بوزارة الصحة.
ولذلك فإن حضوره لا يبدو قابلا للتفسير من زاوية الاختصاص الحكومي أو الواجب القطاعي، بل من زاوية سياسية خالصة.
ويزداد هذا المعنى وضوحا إذا استحضر أن الوزير التيجاني تيام كان عائدا من جولة داخلية ، وهي جولة كان يفترض منطقيا أن تليها متابعة مباشرة لملفات القطاع، وما نقل إليه خلالها من مطالب للأطباء وانشغالات للمواطنين بشأن واقع الخدمات الصحية.
ومن هذه الزاوية، فإن اختياره التوجه إلى مقامة للمشاركة في تدشين منشأة لا تتبع لقطاعه، بدل الانصراف إلى متابعة ما أفرزته تلك الجولة، يمنح حضوره دلالة سياسية تتجاوز طابعه البروتوكولي.
والسياق الذي جاء فيه هذا الحضور يدفع في الاتجاه نفسه.
فظهور التيجاني في مقامة جاء بعد مهرجان كيهيدي الذي أكد اتساع نفوذ جالو، وبعد مؤشرات على تمدده باتجاه لكصيبة.
وفي هذا الظرف، يصبح حضور وزير لا يملك ثقلا سياسيا في مقامة، ولا صلة قطاعية له بالنشاط، أقرب إلى محاولة تموضع سياسي منه إلى مشاركة بروتوكولية.
وهنا يبرز اسم الوزير مامودو مامادو أنيانغ باعتباره مفتاحا أساسيا في قراءة ما جرى في مقامة.
فالرجل لا يُنظر إليه فقط بوصفه الفاعل السياسي الأول في المقاطعة، بل أيضا باعتباره أحد رجالات ولاية كوركول، وصاحب وزن يتجاوز مقامة نفسها.
ويعزز هذا الموقع كونه نائبا عن المقاطعة لأكثر من خمسة عشر عاما متواصلة، فضلا عن الثقة التي يحظى بها لدى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
كما أن المعطيات المتداولة محليا تشير إلى أنه يتابع ما يجري في مقامة عن قرب، ويسعى حاليا إلى رئاسة منسقية ولاية كوركول، التي كانت تترأسها الوزيرة السابقة كمب با، وتضم وزراء الولاية ومنتخبيها وأطرها.
هذا المعطى يغير معنى حضور التيجاني إلى مقامة.
فالحضور هنا لا يبدو تعبيرا عن نفوذ له في المقاطعة، ولا امتدادا طبيعيا لدوره الوزاري، بل يمكن فهمه بوصفه محاولة للاقتراب من مركز ثقل سياسي أقوى داخل الولاية، ممثلا في أنيانغ مامودو، في لحظة بدأ فيها نفوذ جالو يقترب من لكصيبة.
وبهذا المعنى، فإن حضور التيجاني إلى مقامة يبدو أقرب إلى محاولة احتماء سياسي أو استنجاد بوزن أنيانغ، لا إلى تحرك مستقل داخل المقاطعة.
ويكتسب هذا التفسير وجاهته من طبيعة الوقائع نفسها.
فلو كان التيجاني يتحرك داخل مقامة من موقع سياسي خاص به، أو لو كان النشاط داخلا في اختصاصه، لكان من الممكن فهم حضوره بصورة مختلفة.
أما في ظل المعطيات المتاحة، فإن حضوره يبدو مرتبطا بحسابات إعادة التوازن داخل حزب الإنصاف في الولاية، أكثر من ارتباطه بطبيعة النشاط ذاته.
وفي هذا السياق، يكتسب حضور نائب مونكل أحبيب ولد أجاه مهرجان كيهيدي، مقابل غيابه عن تدشين مقامة، دلالة لا تقل أهمية.
فالرجل اختار الظهور في نشاط رعاه جالو، ولم يظهر في نشاط حضره التيجاني، رغم ما تتحدث عنه المصادر عن علاقة قوية بين ابنه والوزير، وعن دور منسوب للتيجاني في مساره المهني.
وإذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن هذا السلوك يصبح مؤشرا على أن الاصطفاف داخل حزب الإنصاف بدأ يتقدم على الاعتبارات الشخصية السابقة.
الأمر نفسه ينسحب على غياب المستشارة بالرئاسة عيشاتا داودا جالو عن تدشين دار الشباب، رغم أنها منحدرة من مقامة، وعلى غياب نائبة رئيس حزب الإنصاف، المديرة العامة للمكتب الوطني للسياحة، فضلا عن الغياب اللافت لأي دور ظاهر لمنسقية ولاية كوركول.
فهذه الغيابات لا تكفي وحدها لبناء استنتاجات قطعية، لكنها تكتسب معنى عندما توضع داخل مشهد يشهد بالفعل إعادة تموضع داخل الحزب الحاكم في الولاية.
خلاصة ما تكشفه الوقائع الأخيرة أن كوركول تشهد فرزا داخليا مبكرا داخل حزب الإنصاف على أكثر من مستوى.
جالو مامادو عبدولاي يواصل تثبيت نفوذ بدأ يتشكل منذ الاستحقاقات الماضية، ولم يعد محصورا في كيهيدي.
وأنيانغ مامودو لا يظهر فقط بوصفه رجل مقامة الأول، بل بوصفه أحد أبرز رجالات الولاية والمرشحين الطبيعيين لقيادة منسقيتها السياسية .
أما التيجاني تيام فلا يتحرك في هذا المشهد بوصفه قطبا ولائيا، بل بوصفه فاعلا سياسيا يرتبط مجال نفوذه بلكصيبة، ويبدو أنه وجد نفسه مضطرا إلى البحث عن سند سياسي أقوى مع اقتراب نفوذ جالو من دائرته.
وعلى هذا الأساس، فإن ما جرى في كيهيدي ومقامة لا يبدو مجرد تتابع بين مهرجان وتدشين، بل مؤشرا على أن حزب الإنصاف في كوركول دخل مرحلة اختبار جديدة للأوزان والنفوذ، وأن كل مناسبة باتت تُقرأ من زاوية ما تكشفه عن حدود كل طرف وموقعه داخل الترتيبات الجارية.
#البو



