14 سؤالا كشفت صورة مختلفة للرئيس..

أخبار كوركول/ قدم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمره الصحفي مساء الجمعة صورة مختلفة عما اعتاده الموريتانيون خلال السنوات الماضية.
لم تكن أهمية اللقاء في عدد الأسئلة أو طول البث فقط.
بل في كونه وضع الرئيس أمام اختبار مباشر ومفتوح شمل ملفات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية.
وأتاح للرأي العام متابعة أدائه وطريقته في التعامل مع الأسئلة دون وسيط أو إمكانية لتدارك التردد أو إعادة ترتيب الحديث.
منذ دخوله القاعة اختار غزواني هيئة بسيطة وقريبة من السياق الموريتاني.
ظهر بالدراعة التقليدية وجلس بطريقة مريحة من دون مبالغة في الرسمية أو حركة زائدة.
كان يتابع الصحفي المتحدث بعينيه ويستمع حتى نهاية السؤال ثم يبدأ الرد بعد أن يعيد ترتيب عناصره.
قد تبدو هذه تفاصيل شكلية.
لكنها في مؤتمر مباشر طويل تصبح جزءا من تقييم الأداء.
خصوصا أن بعض ما طرح لم يكن سؤالا واحدا بل مجموعة من النقاط المتداخلة التي تتطلب تركيزا وقدرة على الاحتفاظ بالتفاصيل.
وهنا ظهرت أولى نقاط قوة الرئيس.
لم يتعامل مع الأسئلة الطويلة باعتبارها عبئا يجب اختصاره.
بل كان يفككها إلى أجزاء ويتناول كل جزء على حدة.
وفي أكثر من مناسبة عاد إلى نقطة وردت في سؤال سابق عندما رأى أنها لم تأخذ حقها من التوضيح.
كان واضحا أن الرئيس يتابع التفاصيل لا العناوين فقط.
وظهر ذلك بصورة خاصة في السؤال المتعلق بالفساد وصفقات التراضي والاتهامات المرتبطة باستفادة مقربين من بعض القطاعات الاقتصادية.
كان السؤال مباشرا ومركبا ويحمل في مقدماته نقدا واضحا للسلطة.
وكان من السهل أن يتحول إلى لحظة دفاع أو توتر.
لكن غزواني لم يتوقف عند صياغة السؤال ولم يدخل في جدل مع صاحبه.
انتقل إلى المضمون وتناول رؤيته لحجم الفساد وآليات مواجهته وأدوار أجهزة الرقابة والقضاء ووضع المسؤولين الذين تثار بشأنهم قضايا تتصل بالتسيير.
لم تكن قوة الإجابة في الاتفاق أو الاختلاف مع تقدير الرئيس لحجم المشكلة.
بل في الطريقة التي استوعب بها سؤالا متعدد المستويات وظل ممسكا بتفاصيله إلى النهاية.
وعندما انتقل مسير المؤتمر إلى متدخل آخر كان الرئيس يتذكر أحيانا نقطة لم يستوفها في الإجابة فيعود إليها من تلقاء نفسه.
وهذه الملاحظة كانت واحدة من أوضح المؤشرات على مستوى التركيز الذي حافظ عليه طوال الجلسة.
وجاء سؤال المأمورية الثالثة مبكرا ليضع المؤتمر منذ بدايته أمام واحد من أكثر الملفات السياسية حساسية.
السؤال لا يتعلق بموضوع إداري أو اقتصادي يمكن حسمه بالأرقام.
بل بمستقبل السلطة بعد نهاية المأمورية الحالية وبنقاش سياسي واسع سبق المؤتمر بأشهر.
غزواني لم يبد متفاجئا ولم يذهب إلى إجابة مرتبكة أو ملتبسة.
ربط موقفه بالدستور وبإرادة الموريتانيين.
وأعاد الحديث إلى ما بقي من مأموريته الحالية بدل الدخول في سباق مبكر حول مرحلة ما بعد 2029.
كانت إجابة محسوبة في موضوع يعرف الرئيس أن كل كلمة فيه قابلة لأن تصبح عنوانا سياسيا قائما بذاته.
ومنذ ذلك السؤال اتضح أن المؤتمر لن يقوم على أجوبة قصيرة.
غزواني يميل إلى وضع خلفية للموضوع قبل الوصول إلى موقفه النهائي.
وقد أطالت هذه الطريقة بعض الردود لكنها كشفت في المقابل عن مستوى واسع من الإحاطة بالملفات.
لم يكن بحاجة إلى التوقف مع كل انتقال بحثا عن المعلومة.
ولم يظهر تغير الموضوع وكأنه ينقله إلى مساحة لا يعرفها.
انتقل من الدستور إلى الاقتصاد.
ومن الفساد إلى الأمن.
ومن الهجرة إلى التنمية.
ومن الوحدة الوطنية إلى الطاقة والسياسة الخارجية.
وحافظ خلال كل ذلك على قدرة واضحة في ترتيب الأفكار وربطها بسياقها.
وهذه إحدى أهم النقاط التي خرج بها المؤتمر.
رئيس الجمهورية لا يختبر فقط في معرفته بملف محدد.
بل في قدرته على جمع ملفات الدولة المختلفة وربطها ببعضها وفهم أثر كل واحد منها في الآخر.
وفي هذا الجانب بدا غزواني واسع الاطلاع.
في الملفات الاقتصادية كان حديثه قائما على السياسات والمؤشرات والأرقام.
وفي الأمن والساحل والهجرة ظهر إدراكه لتعقيدات المحيط الإقليمي الذي توجد فيه موريتانيا.
وعند الانتقال إلى الضفة والتنمية والوحدة الوطنية والإرث الإنساني اتخذت الإجابات منحى سياسيا واجتماعيا مختلفا.
ثم انتقل الحديث إلى الغاز والطاقة والاستثمارات والعلاقات الخارجية.
لم تكن القضية مجرد امتلاك معلومة لكل سؤال.
بل القدرة على تغيير زاوية التحليل كلما تغير الملف.
وهي قدرة لا تظهر بالوضوح نفسه في الخطابات الرسمية المعدة سلفا.
المؤتمر كشف أيضا عن طريقة غزواني في التعامل مع النقد المباشر.
في قانون الرموز والفساد والتعيينات والغاز واستغلال الثروات لم تكن الأسئلة كلها محايدة في مقدماتها.
بعض الصحفيين وضع أمام الرئيس تقييما سلبيا قبل أن يطرح سؤاله.
ومع ذلك لم يحول الرئيس اختلافه مع الفكرة إلى خلاف مع صاحبها.
لم يقاطع الصحفيين بطريقة حادة.
ولم يلجأ إلى نبرة فوقية لإعادة ضبط النقاش.
ولم يتعامل مع السؤال الناقد باعتباره تجاوزا لمكانته.
كان يذهب إلى الموضوع نفسه.
وفي سؤال قانون الرموز مثلا كان المجال مفتوحا لمواجهة مباشرة بين رئيس الجمهورية وصحفي يعترض على قانون يرتبط بحرية التعبير.
لكن غزواني اختار الدفاع عن موقفه وشرح رؤيته للحد الفاصل بين حرية النقد وما يعتبره مساسا بالوحدة الوطنية أو مصالح الدولة.
يمكن الاختلاف جذريا مع هذا الموقف.
لكن ذلك لا يلغي أن الرئيس ناقشه دون تشنج ودون تحويل النقاش من القانون إلى الصحفي.
وتكرر الأمر في أسئلة التعيينات وتدوير المسؤولين واستغلال الموارد والشركات الأجنبية والهجرة والإرث الإنساني.
هذه ليست ملفات مريحة لأي سلطة.
ومع ذلك لم يظهر خلال المؤتمر أن غزواني يملك نوعين من التعامل.
واحدا للأسئلة المريحة وآخر للأسئلة الصعبة.
بقي الأسلوب نفسه تقريبا.
استماع.
ثم تفكيك.
ثم رد.
وهنا كان مصدر السيطرة الحقيقي.
لم تكن سيطرة تقوم على التحكم في الصحفي أو إغلاق النقاش.
بل على التحكم في رد الفعل.
الرئيس لم يحتج إلى رفع صوته ليحتفظ بموقعه داخل الحوار.
ولم يستعمل حدة اللغة ليظهر الثقة.
كان هدوؤه كافيا لإبقاء النقاش داخل المسار الذي يريده حتى عندما يكون السؤال حادا.
وكانت لغة الجسد جزءا واضحا من هذه الصورة.
جلس غزواني بطريقة مستقرة.
قليل الحركة.
منفتحا في جلسته.
ومتجها في أغلب الوقت نحو السائل.
لم تظهر عليه حركة عصبية متكررة.
ولم تتغير ملامحه بصورة حادة كلما ارتفع مستوى السؤال.
كان يبتسم عندما يسمح السياق ثم يعود إلى الجدية عند الدخول في أصل الملف.
واختيار الدراعة التقليدية أضاف بعدا آخر للصورة.
الرئيس لم يظهر في هيئة رسمية ثقيلة تفصل بينه وبين القاعة.
بل بلباس وطني مألوف في جلسة طويلة مع صحفيين موريتانيين يتحدث معهم مباشرة.
كانت البساطة واضحة من دون أن تفقد الموقع الرئاسي هيبته.
وهذه نقطة مهمة في صناعة الحضور السياسي.
فالمبالغة في الرسمية قد تصنع مسافة زائدة.
والمبالغة في الأريحية قد تضعف ثقل المنصب.
أما غزواني فظهر في منطقة وسطى.
مرتاح لكنه حاضر كرئيس.
ودود لكنه لا يخرج عن حدود موقعه.
ومع مرور الوقت بدأ اختبار آخر.
القدرة على الاستمرار.
ثلاث ساعات تقريبا من الإنصات وترتيب الأفكار والحديث أمام الكاميرا ليست مسألة سهلة.
خصوصا حين تتغير الموضوعات باستمرار.
عادة ما يكشف طول المؤتمرات الإرهاق سريعا.
تصبح الإجابات أقصر.
ويقل التركيز.
وتزداد المقاطعات.
ويبدأ المتحدث في البحث عن مخرج لإنهاء اللقاء.
لكن مستوى غزواني لم يتغير بصورة لافتة.
بقي يستمع حتى المراحل الأخيرة.
ولم تتحول الإجابات في نهاية المؤتمر إلى ردود مقتضبة هدفها إنهاء الوقت.
وحتى حين طال السؤال أو استدعى الرجوع إلى تفاصيل سابقة ظل قادرا على الاحتفاظ ببنية حديثه.
وهنا تحديدا يكتسب المؤتمر أهميته في قراءة شخصية الرئيس.
خلال سبع سنوات كان ظهور غزواني أمام الصحافة الوطنية محدودا مقارنة بحجم النقاش السياسي حوله.
ومع هذا الغياب تشكلت تصورات متعددة.
أنه لا يفضل البث المباشر.
وأنه لا يرتاح للمواجهة المفتوحة.
وأن قلة حديثه قد تعكس صعوبة في التواصل أمام الأسئلة غير المعدة.
المؤتمر وضع هذه التصورات أمام تجربة فعلية.
رئيس يجلس لساعات أمام أكثر من مائة صحفي ومدون.
ويتلقى أربعة عشر سؤالا يتفرع بعضها إلى عدة نقاط.
ويتحرك بين ملفات شديدة الحساسية من دون لحظة ارتباك كبيرة أو فقدان ظاهر لخيط الحديث أو تشنج أمام سؤال مباشر.
هذه التجربة وحدها أعادت ترتيب جانب مهم من الصورة.
صحيح أن طريقة اختيار أصحاب الأسئلة يمكن أن تناقش.
وأن توزيع الفرص بين المؤسسات الإعلامية يستحق التقييم.
كما أن بعض الملفات والأسماء التي كان ينتظرها جزء من المتابعين لم تطرح.
لكن هذه ملاحظات تتعلق بتنظيم المؤتمر.
ولا تغير طبيعة أداء الرئيس عندما أصبح السؤال أمامه.
فالأسئلة التي وجهت إليه بالفعل لم تكن كلها سهلة.
المأمورية الثالثة.
الفساد.
صفقات التراضي.
قانون الرموز.
التعيينات.
الغاز.
الشركات الأجنبية.
الهجرة.
الأمن.
الإرث الإنساني.
وتنمية مناطق الضفة.
كانت هذه العناوين كافية لإنتاج لحظة توتر واحدة على الأقل.
لم تحدث.
وفي نهاية المؤتمر خرج غزواني بصورة أكثر وضوحا أمام الرأي العام.
رئيس يعرف الملفات التي يتحدث عنها.
ويتذكر تفاصيل السؤال.
ويستطيع الانتقال من موضوع إلى آخر من دون فقدان السياق.
ويدافع عن خياراته دون انفعال.
ويملك قدرة واضحة على الإنصات قبل الرد.
كما كشف اللقاء جانبا لم يكن ظاهرا بهذا الحجم من شخصيته السياسية.
الهدوء الذي قرأه البعض سابقا باعتباره بطئا بدا هنا قدرة على عدم الاستعجال.
وقلة الحديث التي اعتبرت ضعفا في التواصل لم تمنعه عندما اختار المواجهة المباشرة من مناقشة الملفات بتفاصيلها.
والتحفظ الذي ارتبط بصورته لم يتحول أمام الكاميرا إلى ارتباك.
كان يسمع السؤال كما هو.
ويدخل إليه من النقطة التي يراها مناسبة.
ثم يصل إلى موقفه من دون أن يفقد السيطرة على الحديث.
يمكن أن يختلف الموريتانيون مع الرئيس في كثير مما قاله.
ويمكن أن يناقشوا الأرقام والمواقف والتقديرات التي قدمها.
فهذا هو المعنى الطبيعي لأي مؤتمر صحفي.
لكن شيئا آخر أصبح أكثر وضوحا بعد ليلة الجمعة.
قلة ظهور غزواني الإعلامي لم تكن دليلا على ضعف قدرته على المواجهة.
وعندما جاءت المواجهة ظهر رئيسا أكثر راحة أمام الصحافة مما كان يعتقد.
وأكثر إحاطة بتفاصيل الدولة مما تسمح به خطاباته الرسمية.
وأكثر قدرة على تحمل ضغط السؤال المباشر مما رسمته عنه سنوات الصمت الإعلامي.
لقد كان المؤتمر اختبارا للرئيس بقدر ما كان مساحة لأسئلة الصحفيين.
وفي هذا الاختبار نجح غزواني في تقديم صورة مختلفة عن تلك التي ترسخت خلال سنوات من محدودية ظهوره الإعلامي.
ثلاث ساعات من الأسئلة المباشرة كانت كافية لتكشف رئيسا واثقا.
حاضر الذهن.
واسع الإحاطة.
ومتمكنا من تفاصيل الملفات التي وضعت أمامه.
غزواني نجح في الاختبار.
وغير الصورة.
#البو ولد أحمد سالم



