بين مجلس القبيلة ودار الإمارة .. حكاية الحوار الذي تأخر في موريتانيا

أخبار كوركول/ يحكى في سالف الزمان أن قبيلة عظيمة نزلت بأرض فسيحة، تتعاقب عليها السنون كما تتعاقب الرياح على كثبان الرمل..
وكان أهلها إذا ادلهمت الخطوب أو تشابكت المصالح أو اختلفت الرؤى، اجتمعوا في مجلس جامع يتداولون القول حتى يخرجوا برأي يجمع الشتات ويطفئ نار الخصام..
وفي إحدى السنوات العسيرة، كثرت الهمسات في مضارب القبيلة، وارتفعت الأصوات في الأسواق والمجالس، وأصبح الناس بين متفائل ينتظر انفراجا، ومتوجس يخشى أن يطول الانتظار.
عندها دعا أمير القبيلة إلى حوار جامع، وقال للناس:
” إن السفينة لا تبلغ مرساها إذا تنازع ركابها على الدفة “
غير أن الطريق إلى الحوار لم يكن معبدا كما ظن البعض، بل كان أشبه بمسالك الصحراء حين تتعدد آثار الإبل وتضيع الوجهة بين السراب والحقيقة.
فكان أول ما فعله الأمير أن جمع أهل بيته السياسيين وحلفاءه من أصحاب الرايات المتقاربة، أولئك الذين يقفون في صف الأغلبية ويمسكون بخيوط السلطة..
استمع إليهم واستمعوا إليه، وتبادلوا الرأي في شأن الحوار المنتظر..
وكان في ذلك ما رآه أنصاره خطوة طبيعية تسبق اللقاء العام، إذ لا يستقيم بناء الخيمة قبل تثبيت أوتادها.
لكن خصومه نظروا إلى الأمر من زاوية أخرى، وقالوا:
” إن الحوار الذي يبدأ من داخل الدار قد يتأخر في بلوغ الساحة ”
فازدادت الشكوك قبل أن تبدأ الجلسات، وكأن الناس يختلفون على الطريق قبل أن يصلوا إلى المقصد.
ثم جاء اللقاء الثاني مع المعارضة، وهي طيف واسع يجمع بين من يعارض من داخل النظام ومن يقف على مسافة أبعد منه.
وكان الجميع ينتظر أن يخرج اللقاء بإشارات حاسمة، أو بمواعيد واضحة أو بخارطة طريق لا تحتمل التأويل.
غير أن السياسة كما قال الحكماء، ليست دائما ابنة اللحظة، بل هي ابنة الموازين الدقيقة.
فخرج الناس من اللقاء بما يكفي من الأمل كي لا ييأسوا، وما يكفي من الغموض كي لا يطمئنوا تماما..
وهنا يكمن جوهر المشهد الموريتاني اليوم..
فالتعثر الحاصل ليس تعثر فكرة الحوار في ذاتها، فالجميع يكاد يجمع على ضرورته، وإنما هو تعثر الثقة المتبادلة بين أطرافه.
ذلك أن الحوار لا تقوم أركانه على المقاعد والموائد والبيانات وحدها، بل يقوم قبل ذلك على اقتناع كل طرف بأن الآخر جاء ليستمع كما جاء ليتكلم.
لقد بدا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، من خلال لقاءاته المتتالية، حريصا على إبقاء باب الحوار مفتوحا وعدم إغلاقه أمام أي مكون سياسي.
غير أن الحرص على فتح الباب شيء، والقدرة على دفع الجميع إلى العبور منه شيء آخر.
فالأغلبية تريد حوارا يرسخ الاستقرار ويحافظ على منجزات السلطة ويجنب البلاد هزات غير محسوبة.
أما المعارضة فتريد حوارا يفضي إلى ضمانات سياسية أوسع، ويمنحها شعورا بأن نتائج النقاش لن تكون مجرد صدى لما تقرره السلطة سلفا.
وهكذا يقف المشهد عند مفترق دقيق: لا هو خصام كامل، ولا هو وفاق مكتمل.
إن موريتانيا اليوم تشبه قافلة كبيرة توقفت عند بئر في منتصف الطريق. الماء موجود، والزاد متوفر، والدليل حاضر، لكن المسافرين ما زالوا يختلفون حول ساعة الرحيل واتجاه المسير.
وكلما طال التردد، ازداد خوف الناس من أن يسبقهم الزمن إلى وجهة أخرى.
ولعل الحكمة التي تركها الأجداد تصلح لوصف اللحظة الراهنة:
” الخيمة لا تسقط من ريح واحدة، وإنما تسقط حين يضعف الحبل الذي يجمع أوتادها “
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس في عقد الحوار، بل في صناعة الثقة التي تسبقه. فالحوار الذي يولد من رحم الثقة قد يختلف فيه المتحاورون ويخرجون أقوى مما دخلوا، أما الحوار الذي يولد في مناخ الشك، فإنه يظل معلقا بين الوعد والانتظار.
وما بين لقاء الأغلبية أولا، ولقاء المعارضة ثانيا، تتشكل صورة المرحلة:
رئيس يسعى إلى جمع الأطراف حول مائدة واحدة، ومعارضة تخشى أن تكون المائدة قد أعدت تفاصيلها مسبقا، وشعب يتطلع إلى أن يتحول الكلام أخيرا إلى اتفاق يبدد غبار التردد ويمنح البلاد أفقا سياسيا أكثر وضوحا واتساعا.
وتبقى موريتانيا، كما كانت دائما، أكبر من خلافات الساسة وأبقى من حسابات اللحظة؛ تنتظر من أبنائها أن يجعلوا من الحوار جسرا للمستقبل لا محطة أخرى من محطات التأجيل.
عالي أحمد سالم (البو)



