كيهيدي بعد 2023.. تعدد اجتماعي وتمثيل مختل ووافدون يستفيدون من اختلال الخريطة

أخبار كوركول (كيهيدي) – تواصل أخبار كوركول سلسلة تقاريرها حول المشهد السياسي في ولاية كوركول بعد انتخابات 2023، وبعد استكمال قراءة خريطة القوى والتحالفات في مقاطعة مونكل، تنتقل هذه المرة إلى مقاطعة كيهيدي، عاصمة الولاية، حيث تبدو المعادلة أكثر تعقيدا، ليس فقط بسبب كثرة الفاعلين وتشابك الأحلاف، وإنما بفعل مفارقة لافتة بين التنوع الاجتماعي الواسع للمقاطعة وخريطة تمثيلها الانتخابي، في وقت استطاع فيه وافدون جدد خلال السنوات الأخيرة الاستفادة من هذا الاختلال وحجز مواقع داخل المشهد المحلي، على حساب حضور أبناء المقاطعة ونصيبهم في التمثيل السياسي والوظيفي.
وتأتي هذه القراءة في مرحلة سياسية تتحرك فيها الأحزاب لإعادة ترتيب هياكلها وقواعدها، بالتزامن مع ما قد تفضي إليه مخرجات الحوار الوطني والاستحقاقات المقبلة.
كما أعادت التغييرات التي أجراها حزب الإنصاف خلال الأشهر الأخيرة، وتعيين منسقين على مستوى الولايات للتواصل مع الهيئات والفاعلين، طرح سؤال موازين القوى المحلية التي أفرزتها انتخابات 2023 وما أعقبها من تحولات في التحالفات ومواقع الشخصيات السياسية.
وإذا كانت مونكل قد قدمت نموذجا لمشهد أعادت الانتخابات والتحالفات اللاحقة ترتيب الكثير من موازينه، فإن كيهيدي تضع القارئ أمام معادلة مختلفة: مقاطعة متعددة المكونات، غنية بالأطر والكفاءات والفاعلين، لكن هذا التنوع لا يجد انعكاسا موازيا في خريطة المنتخبين ومواقع التمثيل السياسي والوظيفي.
وتتكون مقاطعة كيهيدي من ثلاث مكونات اجتماعية أساسية، لكل منها حضورها السكاني وامتدادها التاريخي وقواعدها داخل المدينة والقرى، غير أن نتائج آخر انتخابات بلدية وتشريعية أفرزت تمثيلا لا يعكس هذا التنوع بالقدر المنتظر.
وتضم المقاطعة خمس بلديات هي كيهيدي، وتوفند سيفه، ونير والو، وجول، وتكومادي، إضافة إلى ثلاثة مقاعد في الجمعية الوطنية، وهو ما يجعلها فضاء انتخابيا واسعا تتداخل داخله خصوصيات المدينة مع موازين القرى والبلديات الريفية.
وتكشف تركيبة المجالس المنتخبة عن قدر من التنوع الحزبي؛ إذ تمتلك بعض أحزاب الأغلبية منتخبين ومستشارين بلديين، كما تحضر أحزاب من المعارضة من خلال عدد من ممثليها.
غير أن الكفة داخل المجالس المحلية تميل في الغالب إلى حزب الإنصاف والأحزاب الداعمة للبرنامج الحكومي، مع حضور متفاوت لممثلي أحزاب أخرى من الأغلبية والمعارضة داخل المجالس البلدية.
لكن هذا التنوع الحزبي لا يقابله تنوع مماثل في واجهة التمثيل الانتخابي للمقاطعة؛ إذ ينتمي النواب البرلمانيون الثلاثة وعمد أربع من البلديات الخمس إلى مكونة اجتماعية واحدة، فيما يشكل عمدة بلدية توفند سيفه الاستثناء الوحيد في هذه الخريطة.
وهنا تبرز واحدة من أكثر مفارقات المشهد السياسي في كيهيدي وضوحا:
ثلاث مكونات اجتماعية أساسية، وخمس بلديات وثلاثة نواب، مقابل تركيز شبه كامل للتمثيل البرلماني والبلدي في مكونة واحدة.
ولا تختزل أسباب هذا الواقع في عامل واحد؛ فقد يكون بعضها متصلا بقدرة قوى معينة على التنظيم وبناء التحالفات وإدارة الاستحقاقات، فيما يرتبط بعضها الآخر بتشتت قوى ومكونات أخرى وتعدد قياداتها وضعف التنسيق بينها.
لكن النتيجة تظل واحدة:
اختلال بين التنوع القائم على الأرض وبين صورته في واجهة التمثيل الانتخابي.
وفي المساحة التي أتاحها هذا الاختلال، برز خلال السنوات الأخيرة فاعلون وافدون من خارج المقاطعة، وخاصة من ولاية لبراكنة، استطاع بعضهم، مستفيدا من وجود امتدادات اجتماعية له داخل كيهيدي ومن شبكة التحالفات السياسية القائمة، تثبيت حضور والحصول على مواقع ضمن المشهد المحلي.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق أي مواطن في ممارسة السياسة؛ فلكل موريتاني الحق في العمل السياسي والترشح وممارسة نشاطه العام في أي مكان من البلاد وفق ما يكفله القانون.
لكن الإشكال يصبح مطروحا حين يأتي نصيب الوافد من التمثيل المحسوب على مقاطعة تعاني مكوناتها وأطرها المحلية أصلا من اختلال في توزيع المواقع.
فالديمقراطية لا تعني فقط حرية الترشح والمنافسة، وإنما تقوم كذلك على تكافؤ الفرص والإنصاف، ولا ينبغي أن تصبح قدرة طرف على الوصول أو بناء التحالفات سببا في مزيد من التضييق على نصيب مكونات وأطر محلية تعاني أصلا من محدودية التمثيل.
وقد جرى العرف السياسي والإداري في موريتانيا، في كثير من الحالات، على مراعاة الانتماء المحلي في التمثيل الانتخابي وبعض المواقع الداخلة في التوازنات الجهوية، بحيث يحسب المسؤول أو المنتخب على المنطقة التي ينحدر منها أو يمثلها.
ومن هنا يصبح السؤال في كيهيدي أكثر دقة:
حين يمنح موقع محسوب على المقاطعة لفاعل وافد إليها، فهل أضيف تمثيل جديد لكيهيدي، أم اقتطع الموقع عمليا من نصيب أبنائها وأطرها؟
ويكتسب هذا السؤال ثقله من كون كيهيدي عاصمة ولاية تزخر بالدكاترة والموظفين والأطر والكفاءات والشخصيات السياسية ذات الجذور والقواعد المحلية، في وقت لا تجد فيه شرائح واسعة من هذه الكفاءات حضورا متناسبا مع حجمها في خريطة التمثيل السياسي والوظيفي.
وفي المقابل، لا يمكن وضع جميع الفاعلين السياسيين في كفة واحدة. فكيهيدي تضم شخصيات تمتلك قواعد شعبية وازنة وامتدادا اجتماعيا وانتخابيا حقيقيا، بنت حضورها عبر سنوات من العمل والتحالفات والتواصل مع الناخبين، وتقدم نتائج صناديق الاقتراع مؤشرات قابلة للقياس على وزنها.
لكن المشهد نفسه يعرف نمطا آخر من الفاعلين يعتمد بصورة أكبر على البروباغندا السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول كثافة الصور والمنشورات والأنشطة إلى وسيلة لصناعة حجم سياسي قد يبدو في الفضاء الافتراضي أكبر مما تكشفه الأرقام على الأرض.
وقد جاءت انتخابات 2023 لتضع جانبا مهما من هذه الأوزان أمام اختبار الصندوق. فالبلديات والتشريعيات لم تكن مجرد منافسة على المقاعد، وإنما شكلت مقياسا عمليا لقدرة الأحلاف والشخصيات على التعبئة، وكشفت أين توجد القواعد القادرة على التصويت، ومن يستطيع تحويل حضوره السياسي إلى أصوات فعلية داخل المكاتب.
ومع ذلك، لا تكفي انتخابات 2023 وحدها لرسم الصورة كاملة، فقد قدمت الانتخابات الرئاسية اللاحقة مؤشرات إضافية على حضور شخصيات لم تكن بالضرورة في واجهة المنافسة البلدية والتشريعية، خصوصا من خلال نتائج مكاتب تصويت يعتبر بعض الفاعلين أنها محسوبة على قواعدهم أو يقولون إنهم تولوا تعبئتها.
وهنا يصبح مكتب التصويت أكثر دلالة من الصورة، والرقم أكثر قدرة على قياس النفوذ من كثافة المنشورات.
فمن يقدم نفسه بوصفه صاحب قاعدة سياسية يفترض أن يظهر أثر تلك القاعدة عند الاقتراع، ومن يتحدث باسم حلف أو كتلة انتخابية ينبغي أن تكون لهذا الحضور ترجمة يمكن رصدها في الميدان والصندوق.
ولهذا لن تقوم قراءة أخبار كوركول لخريطة كيهيدي على الأسماء والمناصب وحدها، ولا على حجم الظهور الإعلامي أو القرب من مراكز القرار، وإنما على مؤشرات أكثر قابلية للقياس:
حجم القاعدة الانتخابية، ونتائج مكاتب التصويت، والقدرة على التعبئة، والامتداد داخل الأحياء والقرى والبلديات، والتمثيل في المجالس المنتخبة، وشبكة التحالفات، واستمرارية الحضور من استحقاق إلى آخر.
ومن خلال هذه المعايير يمكن التمييز بين من صنع وزنه عبر قاعدة انتخابية فعلية، ومن يستمد حضوره أساسا من تحالف مع قوة أكبر، ومن منحته وظيفة أو ظرف سياسي مساحة في المشهد، ومن صنعت له وسائل التواصل الاجتماعي صورة سياسية لا تتناسب بالضرورة مع حجم قاعدته.
وفي قلب هذه الخريطة يبقى اختلال التمثيل القضية الأكثر حضورا؛ فحين تتكون المقاطعة من ثلاث مكونات اجتماعية أساسية، بينما تتركز غالبية واجهة تمثيلها الانتخابي في مكونة واحدة، يصبح السؤال مشروعا عن الأسباب التي أوصلت إلى هذه النتيجة، وعن مسؤولية المكونات الأخرى في تشتت قواها، وعن دور الأحزاب والتحالفات في تكريس هذا الواقع.
كما يصبح من الضروري تناول حضور الوافدين الجدد من زاوية علاقته بهذا الاختلال:
من هم؟
وكيف دخلوا إلى المشهد؟
وما الامتداد الاجتماعي الذي استندوا إليه؟
وما القواعد التي يمتلكونها فعليا؟
وإلى أي حد أتاح ضعف تمثيل أبناء المقاطعة وتشتت قواهم السياسية لهؤلاء الحصول على مواقع داخل خريطة كيهيدي؟
ومن هذا المنطلق، تفتح أخبار كوركول ملف «كيهيدي بعد 2023»، لتضع الأسماء والأحلاف والمنتخبين والوافدين أمام خريطة الصندوق والقاعدة والانتشار:
من يمتلك ثقلا حقيقيا؟
ومن تقدم بعد 2023؟
ومن تراجع؟
وأين توجد قواعد كل حلف؟
وما حجم التأثير الفعلي لكل فاعل بعيدا عن الدعاية السياسية؟
كما سيتوقف التقرير عند البلديات الخمس، ويقرأ مراكز النفوذ داخلها، ويفكك شبكة التحالفات التي تربط الفاعلين، ويقارن حيثما أمكن بين ما تقوله نتائج الانتخابات وما يقوله الخطاب السياسي عن حجم كل طرف.
كيهيدي بعد 2023 ليست مجرد خريطة أسماء ومنتخبين؛ إنها مشهد يتجاور فيه تنوع اجتماعي واسع مع تمثيل غير متوازن، وتتقاطع فيه الأحلاف والقواعد المحلية مع حضور وافدين استفادوا من ثغرات هذه الخريطة، فيما يظل صندوق الاقتراع والامتداد الحقيقي على الأرض المعيار الأهم لتمييز القوة السياسية الفعلية من تلك التي تصنعها المواقع أو التحالفات أو ضجيج المنصات.
#البو
يتواصل…



