بين القانون والشخصنة.. قراءة في الجدل المثار حول ملف الإسمنت في نواذيبو

أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات رجل الأعمال سيدي عثمان الشيخ ماء العينين بشأن ملف استيراد الإسمنت في مدينة نواذيبو فتح نقاش يتجاوز حدود هذه القضية، ليلامس سؤالا أكثر أهمية:
هل يجوز تحميل موظف عمومي مسؤولية تطبيق نصوص قانونية لا يملك وضعها أو تعديلها أو تعطيلها؟
إن أول ما ينبغي التذكير به هو أن الإدارة الجهوية للجمارك ليست جهة تشريعية، ولا تملك سلطة تحديد الرسوم الجمركية أو وضع قواعد تقييم القيمة الجمركية للبضائع.
فهذه الاختصاصات تدخل ضمن صلاحيات الإدارة العامة للجمارك، تحت وصاية وزارة المالية، وتطبق وفق القوانين والنصوص التنظيمية النافذة، بما يضمن توحيد الإجراءات في جميع المكاتب الجمركية.
وعليه، فإن المدير الجهوي للجمارك لا يحدد القيمة الجمركية من تلقاء نفسه، وإنما يطبق القواعد القانونية والفنية المعتمدة في تقييم البضائع، وهي قواعد تستند إلى الوثائق التجارية والمستندات البنكية ووسائل الدفع وغيرها من العناصر التي تعتمدها الإدارات الجمركية في مختلف دول العالم، انسجاما مع القواعد المنظمة للتجارة الدولية والرامية إلى حماية المال العام، وضمان المنافسة العادلة، ومكافحة التهرب الجمركي وغسل الأموال.
وبحسب ما جرى تداوله حول هذا الملف، فإن بداية الخلاف تعود إلى الشحنة الأولى من الإسمنت، عندما رأت المصالح الجمركية المختصة أن الفواتير المقدمة تستوجب التحقق من مدى مطابقة القيمة المصرح بها للقيمة التي تعتمدها قواعد التقييم الجمركي.
ومهما يكن الرأي في هذه الإجراءات، فإن التحقق من البيانات والوثائق يدخل في صميم العمل الجمركي، ولا يعد في حد ذاته إجراء استثنائيا أو موجها ضد مستورد بعينه.
كما أن النقاش الذي أثير بشأن نظام المنطقة الحرة يقتضي التمييز بين مرحلتين قانونيتين مختلفتين.
ففي مرحلة سابقة، كان موضوع الإعفاءات محل دراسة وتفسير من الجهات المختصة، وهو ما ترتب عليه رفع يد الجمارك عن الشحنة .
غير أن الإطار التشريعي عرف لاحقا تعديلا بصدور القانون رقم 30/2024 المعدل لبعض أحكام القانون المنشئ للمنطقة الحرة لسنة 2013، وهو تعديل أعاد تنظيم نظام الإعفاءات وحدد نطاقه وفق النص القانوني الساري.
وبناء على ذلك، فإن البضائع التي لا يشملها الإعفاء أصبحت تخضع للقواعد العامة للجمركة وفق القيمة الجمركية المقررة قانونا، دون أن يترك ذلك مجالا لاجتهاد أي مسؤول محلي.
ومن ثم، فإن أي اختلاف حول تطبيق النصوص أو تفسيرها يظل خلافا قانونيا يمكن أن يعالج عبر التظلم الإداري أو القضاء، وليس عبر تحميل مسؤول ميداني مسؤولية منظومة تشريعية وإدارية كاملة.
كما أن محاولة ربط الملف باعتبارات اجتماعية أو قبلية، استنادا إلى كون أحد ملاك إحدى شركات الإسمنت في نواذيبو، ينتمي إلى نفس الحاضنة الاجتماعية التي ينتمي إليها المدير الجهوي للجمارك، لا تمثل في حد ذاتها دليلا على وجود محاباة أو مخالفة للقانون.
فدولة المؤسسات تبني المسؤولية على الوقائع والأدلة، لا على الانتماءات الاجتماعية، وإقحام موظف سامي في النقاش القانوني لا يسهم في كشف الحقيقة بقدر ما يصرف الأنظار عن جوهر المسألة.
وفي المقابل، يبقى من حق أي مستثمر أن يعترض على أي إجراء يراه مخالفا للقانون، وأن يلجأ إلى وسائل الطعن التي يكفلها النظام القانوني.
كما يبقى من حق الرأي العام أن يناقش أداء المؤسسات.
غير أن هذا النقاش يكون أكثر جدوى عندما ينصرف إلى النصوص والإجراءات، لا إلى الأشخاص.
لقد ارتبط اسم المدير الجهوي للجمارك محمد الأمين ولد بوه، بحسب ما يتداوله كثير من المتابعين للشأن الإداري، بالانضباط في أداء مهامه والحرص على تنفيذ القانون .
ومثل غيره من الموظفين العموميين، فإن تقييم أدائه ينبغي أن يكون على أساس مدى احترامه للقانون وما قد يثبت بحقه من مخالفات عبر القنوات المختصة، لا على أساس الاتهامات أو الانطباعات المتداولة في الفضاء العام.
وفي النهاية، فإن حماية الاستثمار وحماية المال العام ليستا هدفين متعارضين، بل هما ركيزتان لدولة القانون.
ولن يتحقق أي منهما إلا باحترام المؤسسات، والاحتكام إلى النصوص، وتمكين الجهات المختصة من الفصل في الخلافات بعيدا عن الشخصنة، وبما يحفظ حقوق المستثمرين وهيبة الإدارة في آن واحد…
#البو



